آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-01:11م

من فلسطين إلى اليمن: جيل يبحث عن وطن يشبه الحياة

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 07:30 م
غسان جابر

في العالم الطبيعي، تُبنى الأوطان لكي تمنح الإنسان الأمان، والعمل، والتعليم، والقدرة على التخطيط للمستقبل.

لكن في منطقتنا، يبدو أن الأوطان تحولت تدريجيًا إلى أماكن يختبر فيها الإنسان قدرته اليومية على النجاة فقط.


في فلسطين، يولد الإنسان داخل احتلال طويل، يكبر وسط انقسام سياسي، ويعيش في اقتصاد هش، ثم يُطلب منه رغم كل ذلك أن يبقى مؤمنًا بالمستقبل، وقادرًا على الصبر، ومتمسكًا بصورة الوطن كما كانت في الخيال الوطني القديم.


وفي اليمن، تتكرر المأساة بصورة أخرى؛ حرب طويلة، سلطات متعددة، دولة متعبة، واقتصاد منهك، حتى أصبح المواطن يعيش داخل حالة انتظار مفتوحة، لا يعرف فيها إن كان ينتظر نهاية الحرب أم نهاية التعب نفسه.


ورغم اختلاف الجغرافيا بين فلسطين واليمن، إلا أن ما يجمع التجربتين أعمق بكثير من السياسة.

هناك جيل كامل نشأ داخل الأزمات، لا يعرف شكل الدولة المستقرة، ولا يشعر أن المستقبل شيء مضمون أو قريب.

جيل تربى على الأخبار العاجلة أكثر مما تربى على الأحلام الطويلة.

هذا الجيل لم يعد يسأل فقط عن الشعارات الكبرى، بل عن تفاصيل الحياة الأساسية: كيف يجد عملًا؟

كيف يبني بيتًا؟

كيف يؤمن حياة كريمة؟

كيف يحمي نفسه من الانهيار النفسي والاقتصادي وسط هذا الضغط المستمر؟


وهنا تكمن المشكلة الأخطر.

فالإنسان حين ينشغل طوال الوقت بالنجاة اليومية، يفقد تدريجيًا قدرته على التفكير بالمستقبل.

وتتحول الطاقة الوطنية كلها إلى إدارة الأزمات بدل صناعة المشاريع الكبرى.

في فلسطين، أصبح الناس يلاحقون الرواتب والكهرباء والتصاريح والمعابر، بينما يتوسع الاستيطان أسرع من قدرة السياسة على الرد.

وفي اليمن، يستهلك الناس أعمارهم في البحث عن الأمان والوقود والحد الأدنى من الاستقرار، بينما تتآكل فكرة الدولة نفسها عامًا بعد آخر.

ومع الوقت، تصبح الكارثة شيئًا عاديًا.

ويتحول الاستثناء إلى قاعدة.

وتبدأ المجتمعات بالتعايش مع الطوارئ وكأنها الشكل الطبيعي للحياة.

وهنا يظهر أخطر ما في الحروب والأزمات الطويلة:

أنها لا تدمر الحجر فقط، بل تُرهق وعي الإنسان نفسه.

تجعله يتوقف عن الحلم الكبير، ويكتفي بالبحث عن يوم أقل سوءًا من اليوم السابق.

لكن رغم كل هذا، فإن ما يحدث ليس موتًا للوعي كما يظن البعض.

بل ربما إعادة تعريف للعلاقة مع الوطن.

فالجيل الجديد لا يرفض القضية، ولا يتخلى عن الانتماء، لكنه يحاول فهم معنى الوطن بطريقة مختلفة.

لم يعد الوطن بالنسبة له مجرد خطاب سياسي أو أغنية وطنية أو ذكرى تاريخية، بل سؤال يومي: هل هذا الوطن قادر على حماية الإنسان؟

هل يستطيع أن يمنحه فرصة للحياة؟

هل يشعر داخله بالكرامة والأمان والعدالة؟

ولهذا لم يعد الصراع فقط على الأرض، بل على معنى الحياة نفسها.

وفي رأيي، فإن أخطر ما وصلت إليه منطقتنا ليس الاحتلال وحده، ولا الاستبداد وحده، بل تحول “إدارة الأزمة” إلى نظام حكم دائم.

أصبحت النخب السياسية في كثير من الأحيان تدير الانهيار بدل أن توقفه، وتتكيف مع الكارثة بدل أن تبني مشروعًا حقيقيًا للخروج منها.

العالم اليوم يتقدم بالعلم والاقتصاد والتكنولوجيا، بينما ما تزال شعوبنا تُستهلك في الصراعات المفتوحة والانقسامات والحروب الطويلة.

ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: من يربح الجولة السياسية القادمة؟

بل: كيف ننقذ الإنسان نفسه من التحول إلى مجرد رقم داخل نشرات الأخبار؟

فالشعوب لا تعيش بالشعارات وحدها، بل بالأمل الواقعي، والعمل، والتعليم، والقدرة على تخيل الغد.

وربما لهذا السبب تبدو فلسطين اليوم مرآة لكثير من الأوطان العربية، ويبدو اليمن صدى بعيدًا لفكرة التعب العربي الطويل.

ليس لأن التجارب متطابقة، بل لأن الإنسان العربي في كثير من هذه الجغرافيا يعيش الإحساس نفسه: الخوف من أن يتحول الانتظار إلى قدر دائم.

لكن رغم كل شيء، ما يزال هناك شيء يستحق التمسك به: أن الإنسان الذي ما يزال يسأل، ويغضب، ويحلم، ويرفض التعايش الكامل مع الانهيار…

لم يُهزم بعد.

لأن أخطر لحظة ليست حين تتعب الشعوب،

بل حين تتوقف عن الإيمان بأن الحياة تستحق وطنًا أفضل.