كلما أعلنت جهة حكومية أو إقليمية عن مشروع استراتيجي جديد في اليمن، ينقسم الناس سريعا بين متفائل يرى بداية انفراج، ومتشائم يكتفي بابتسامة ساخرة وهو يردد: "سمعنا هذا الكلام كثيرًا من قبل".
خلال الأيام الماضية عاد الحديث مجددا عن مشروع تحويل ميناء عدن من ميناء استقبال محدود إلى مركز إقليمي لإعادة الشحن، بالتزامن مع أحاديث عن ربط بعض المحافظات اليمنية بالشبكة الكهربائية السعودية.
وعلى الورق تبدو هذه المشاريع كبيرة ومهمة، بل وقد تمثل — إن نُفذت فعلًا — تحولًا اقتصاديًا وخدميًا حقيقيًا.
لكن المشكلة لم تعد في حجم المشاريع، بل في أزمة الثقة التي تراكمت لدى المواطن اليمني بعد سنوات طويلة من الإعلانات التي تعج بها وسائل الإعلام.
فالناس ما زالت تتذكر عشرات المشاريع التي أُعلن عنها بحماس كبير، ثم اختفت بصمت أو تحولت إلى مشاريع مؤجلة لا أحد يعرف مصيرها الحقيقي.
يتذكر اليمنيون الحديث عن: مطار مأرب الدولي، مصافي حضرموت، المنطقة الحرة بعدن، ميناء قنا الدولي في شبوة، ميناء الضبة وتطويره، المستشفى الجامعي في حضرموت، مركز الأمير سلطان لعلاج السرطان في المكلا، مشروع كهرباء الغاز في أكثر من محافظة، مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي، المدن الطبية ، مشروع القطار الخليجي الممتد نحو اليمن والطرق الدولية السريعة ، تطوير مطار الريان وتحويله إلى مركز إقليمي، المدن الصناعية الموعودة، مشروع إعادة تشغيل الخطوط البحرية الوطنية، السدود الزراعية ومشاريع تحلية المياه الكبرى، مشروع استغلال المعادن والثروات النادرة، المنطقة الاقتصادية في عدن وجسر ربطها بجيبوتي، مشاريع الإسكان لأسر الشهداء والمدن السكنية الحديثة، مشاريع إعادة الإعمار، وحتى مشاريع السياحة الساحلية والجزر اليمنية التي بقي أغلبها مجرد عناوين إعلامية.
لكن الأخطر من المشاريع التي لم تولد أصلًا، هو تآكل المشاريع والمؤسسات التي كانت قائمة بالفعل، والتي كانت يومًا تمثل أعمدة الدولة الحديثة.
ففي قطاع التعليم مثلًا، لم يعد الحديث فقط عن غياب المشاريع الجديدة، بل عن انهيار المؤسسات التعليمية التاريخية نفسها.
كلية التربية في المكلا، التي تأسست منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، وكانت تضم نحو 14 تخصصًا أكاديميًا وتخرج آلاف المعلمين سنويًا لمدارس حضرموت واليمن والخليج، أصبحت اليوم تعاني تراجعًا خطيرًا في الإقبال والقدرة على الاستمرار.
في عام 2008 وحده كان يدرس فيها نحو 400 طالب عماني وسط آلاف الطلاب اليمنيين، بينما لم يعد عدد طلابها اليوم في مختلف المستويات والأقسام سوى اقل من59 طالبًا معلما فقط، بعد إغلاق اكثر التخصصات وتراجع البيئة التعليمية بصورة مقلقة.
والحال ذاته ينسحب بدرجات متفاوتة على كليات التربية في عدن وغيرها.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:
بينما تتحدث الخطابات الرسمية عن التنمية والمشاريع العملاقة، تتآكل بصمت أهم مؤسسة تصنع الإنسان نفسه: التعليم.
إن انهيار إعداد المعلم ليس أزمة بسيطة، بل مؤشر خطير على مستقبل كارثي يهدد الأجيال القادمة، لأن الدول لا تُبنى فقط بالموانئ والكهرباء، بل بالكفاءات البشرية القادرة على إدارة تلك المشاريع وحمايتها.
والأخطر أن هذا التراجع يحدث وسط حالة من العشوائية في إدارة الموارد التعليمية، وغياب التخطيط الحقيقي للاحتياج الفعلي من المعلمين والتخصصات.
فبدلًا من إعادة الاعتبار لكليات التربية وتأهيل المعلم أكاديميا ومهنيا، اتجهت بعض الجهات إلى التوسع في التعاقدات المؤقتة بصورة غير مدروسة.
ففي عام واحد فقط تم التعاقد مع نحو 25 ألف معلم عبر صندوق دعم التعليم في حضرموت وفق التقارير المنشورة، ورغم انها نسبة اعلى من نسبة اعداد المعلمين في مراحل كان بها التعليم اكثر استقرار خلال الفترة من 2008 حتى 2012م الذي كانت الاحصائيات تشير بها الى وجود معلم لكل اقل من 20 طالب، الا ان المفارقة في تعاقدات السنوات الأخيرة انها كانت برواتب لا تكاد تكفي قيمة الخبز، ودون اهتمام حقيقي بمعيار المؤهل التربوي أو الحاجة الفعلية للمدارس ما يعني أن الأزمة لم تكن دائمًا في عدد المعلمين بقدر ما كانت في سوء التخطيط، وضعف الإدارة، وهدر الموارد.
لقد أصبح اليمنيون يشاهدون بأعينهم كيف تتراجع المؤسسات التي كانت قائمة بالفعل، بينما تُطرح في المقابل مشاريع كبرى جديدة لا يعرف أحد إن كانت سترى النور أصلًا.
وهنا لم يعد المواطن يسأل ":ما المشروع الجديد؟" بل أصبح يسأل" :كيف نحافظ أولًا على ما تبقى لدينا من مؤسسات؟"
لقد تغيرت نظرة الناس بسبب تراكم التجارب.
فالإعلان لم يعد إنجازًا، والمؤتمرات الصحفية لم تعد دليلًا على التنفيذ، والصور التذكارية لم تعد تقنع أحدًا.
وفي هذا السياق، فإن مطالبتنا في مقالات سابقة بأهمية الالتزام بالمادة (86) من الدستور ليست ترفًا سياسيًا ولا جدلًا قانونيًا بعيدًا عن هموم الناس، بل ضرورة وطنية لضمان إقرار برنامج الحكومة من قبل البرلمان الممثل للشعب، حتى يتمكن من مراقبة وتقويم أداء مشاريعها ومساءلتها عن أسباب التعثر والفشل.
فغياب هذا المسار الدستوري لا يجعل قرارات الحكومة منعدمة بالضرورة، لكنه يحول كثيرًا من برامجها إلى مجرد تصريحات ووعود إعلامية غير قابلة للمراقبة والقياس، وسرعان ما تتبخر كسحابة صيف، بينما يبقى المواطن وحده من يدفع ثمن الوقت الضائع وتآكل الخدمات وانهيار الثقة بالمؤسسات.
في السابق كان يكفي وضع حجر أساس حتى يشعر المواطن أن التنمية بدأت.
أما اليوم فقد أصبحت الثقة مرتبطة بأشياء أكثر واقعية: هل بدأ التنفيذ فعلًا؟ هل توجد ميزانية واضحة؟ هل هناك استمرارية؟ هل توجد مؤسسات مستقرة؟ وهل تمتلك الدولة رؤية حقيقية للمستقبل؟
وفي الحقيقة، فإن بعض هذه المشاريع ليست مستحيلة.
فميناء عدن يمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا، والربط الكهربائي مع دول الجوار ممكن تقنيًا، وحضرموت ومأرب وشبوة تمتلك موارد قادرة على دعم نهضة اقتصادية حقيقية.
لكن نجاح أي مشروع في اليمن لم يعد يعتمد فقط على الفكرة، بل على وجود دولة مستقرة، ومؤسسات قوية، وتعليم حي، وإدارة قادرة على حماية ما يتم بناؤه.
ولهذا لم يعد الناس يرفضون المشاريع، بل يرفضون تكرار الوعود غير المكتملة.
واليوم ربما لم تعد المشكلة في نقص الخطط، بل في غياب الثقة… وفي خوف اليمنيين من أن يتحول المستقبل كله إلى مجرد إعلان جديد.