آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-01:11م

أين ذهبت السيولة النقدية؟ بين احتجاز الأموال وغياب الدورة الاقتصادية

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 08:14 ص
فهمي باضاوي

يتردد كثيرًا سؤال مهم في الأوساط الاقتصادية والشعبية: أين ذهبت السيولة النقدية؟ ولماذا اختفت من الأسواق رغم استمرار النشاط التجاري وتدفق الإيرادات؟

الحقيقة أن أزمة السيولة لا تعني بالضرورة اختفاء الأموال، بل تعني في كثير من الأحيان خروجها من الدورة الاقتصادية الطبيعية وتمركزها في نطاقات ضيقة، سواء لدى الحكومة أو البنوك أو كبار التجار، دون أن تنعكس على حركة السوق والتنمية والإنتاج.

إن نجاح الحكومة في إدارة السيولة المالية لا يقتصر على جمع الإيرادات أو التحكم بالأموال، بل يعتمد بصورة أساسية على قدرتها في إعادة ضخ هذه الأموال داخل الاقتصاد الوطني بما يحقق النمو والاستقرار الاقتصادي. فالسيولة عندما تتوقف عن الدوران تفقد الأسواق قدرتها على الحركة، وتتراجع القوة الشرائية، وتزداد معدلات الركود والبطالة.

وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تشهدها بلادنا في ظل توقف تصدير النفط انعكس ذلك على التحديات المحلية، لذا أصبحت كفاءة إدارة السيولة معيارًا حقيقيًا أمام مهمة الحكومة وقدرتها على مواجهة الأزمات وتحقيق الاستقرار وضمان استدامة سعر العملة أمام العملات الأجنبية

إن دور الحكومة لا يجب أن يقتصر على عكس الإيرادات مركزيًا أو ممارسة الرقابة على المؤسسات الإيرادية فقط، بل يتطلب رؤية اقتصادية شاملة تعمل على تشغيل السيولة وتحويلها إلى مشاريع وفرص عمل ونشاط إنتاجي. ويتحقق ذلك من خلال عدة مسارات رئيسية، أبرزها:

تمويل المشاريع الخدمية والتنموية في المحافظات المحررة بما يسهم في إعادة تدوير السيولة داخل الأسواق المحلية.

تبني برامج بالشراكة مع البنوك لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والحرفية، باعتبارها المحرك الأكبر لخلق فرص العمل وتحسين دخل الأسر.

إقامة شراكات حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والبنوك لتطوير سلاسل القيمة المضافة، خصوصًا في قطاعات الزراعة والثروة السمكية، لما تمتلكه من قدرة على زيادة الصادرات وتعزيز الإيرادات بالعملة الأجنبية.

دعم الاستثمار المحلي وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، بما يخلق بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا وجاذبية.

كما أن المحافظات المحررة تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تعمل في اتجاهين متوازيين:

الأول خدمي يركز على استقرار الكهرباء والمياه والطرق والخدمات الأساسية، والثاني اقتصادي وإنمائي يدرس الفرص الاستثمارية لكل محافظة وفقًا لمواردها وميزاتها النسبية، والعمل على تنميتها وتطويرها.

وفي الجانب النقدي، يبرز الدور المحوري للبنك المركزي، الذي تقع عليه مسؤولية تعزيز الرقابة على سيولة البنوك وتنظيم السياسة النقدية بما يمنع الاحتكار المالي ويضمن تحريك الأموال داخل السوق. كما أن تطوير آليات عمل لجان الموارد والتسهيلات المالية أصبح ضرورة لضمان توجيه السيولة نحو القطاعات المنتجة بدلًا من بقائها مجمدة أو موجهة للاستهلاك غير المنتج.

إن تعافي العملة الوطنية لن يتحقق عبر الحلول السياسية المؤقتة أو الإجراءات اللحظية الهشة، بل عبر بناء دورة اقتصادية حقيقية تقوم على الإنتاج والاستثمار وتشغيل السيولة داخل المجتمع. فعندما تتحرك الأموال في السوق، وتُموَّل المشاريع، وتُخلق فرص العمل، يبدأ الاقتصاد بالتعافي تدريجيًا، وتستعيد العملة الوطنية جزءًا من قوتها واستقرارها بصورة مستدامة.

وفي النهاية، فإن أزمة السيولة ليست أزمة أموال مفقودة، بل أزمة إدارة اقتصادية ودوران نقدي. وكلما نجحت الدولة في تحويل الأموال من حالة الاحتجاز إلى حالة التشغيل والإنتاج، اقترب الاقتصاد من التعافي الحقيقي والتنمية المستدامة.