آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-01:11م

من فوضى الترددات إلى سيادة الدولة شادي باصرة… عندما يتحول الإصلاح التقني إلى قرار وطني شجاع

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 08:20 ص
عدنان بن عفيف

في الدول التي تُدار بعقلية الدولة، لا تُعد ملفات الاتصالات شأناً فنياً هامشياً، بل تُعامل باعتبارها جزءاً من السيادة الوطنية والأمن الاقتصادي والتحول المؤسسي. ومن هنا، يمكن قراءة الخطوة الأخيرة التي قادها معالي الأستاذ الدكتور شادي باصرة، والمتمثلة في إنجاز مسودة لائحة الأطياف الترددية بعد أكثر من سبعة وعشرين عاماً من الجمود، بوصفها واحدة من أهم الخطوات الإصلاحية التي شهدها قطاع الاتصالات اليمني منذ عقود.

فالحديث هنا لا يتعلق بمجرد تحديث لائحة أو تعديل إداري روتيني، بل بملف ظل لعقود أسيراً للفوضى والارتجال والتداخلات غير المنظمة، حتى تحولت الترددات ـ وهي ثروة سيادية وطنية ـ إلى مساحة مفتوحة للهدر واستنزاف الإيرادات وضعف الرقابة وغياب الحوكمة.

منذ عام 1999، بقي هذا الملف الحيوي خارج نطاق التطوير الحقيقي، رغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم في تقنيات الاتصالات والفضاء الرقمي والأقمار الصناعية والاتصالات اللاسلكية. وخلال تلك السنوات، دفعت الدولة ثمناً باهظاً نتيجة غياب التنظيم الفعّال للطيف الترددي، سواء من حيث ضياع الإيرادات أو من حيث التداخلات الفنية والتشويش وضعف البيئة التنافسية.

لكن ما حدث اليوم يحمل دلالة مختلفة تماماً.

فالوزارة، بقيادة الدكتور شادي باصرة، لم تكتفِ بإعادة فتح الملف، بل ذهبت نحو تأسيس رؤية تنظيمية جديدة تعيد الاعتبار لمفهوم “السيادة الرقمية”، وتؤسس لمرحلة أكثر احترافية في إدارة الموارد التقنية للدولة. وهي خطوة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات الحديثة، حيث أصبحت إدارة الطيف الترددي جزءاً من قوة الدولة الاقتصادية والتنظيمية، وليس مجرد ملف تقني محدود التأثير.

الأهمية الكبرى لهذه الخطوة تكمن أيضاً في توقيتها. ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الاتصالات إقليمياً ودولياً، لم يعد ممكناً استمرار العمل بعقلية التسعينات، بينما العالم ينتقل إلى اقتصاد البيانات والمدن الذكية والبنية الرقمية المتقدمة. ولذلك فإن تحديث هذه اللوائح لا يمثل ترفاً إدارياً، بل ضرورة وطنية لحماية السوق وتنظيم المنافسة ورفع كفاءة الموارد العامة.

كما أن هذه الخطوة تبعث برسالة مهمة مفادها أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الملفات الصامتة التي لا تحظى غالباً بالضجيج الإعلامي، لكنها تمس جوهر بناء الدولة الحديثة. فحين تُنظم الترددات، وتُضبط آليات التسعير، وتُحمى الموارد السيادية من العبث، فإن الدولة لا تحقق إيرادات فقط، بل تستعيد جزءاً من قدرتها على فرض النظام والمؤسسية.

ويحسب للدكتور شادي باصرة أنه اختار الاقتراب من الملفات الثقيلة والمعقدة بدلاً من الاكتفاء بالإدارة التقليدية اليومية للوزارة. فنجاح أي مسؤول لا يُقاس بحجم التصريحات، بل بقدرته على تحريك الملفات الراكدة، وكسر الجمود الإداري، وتحويل المؤسسات من حالة التسيير إلى حالة البناء والتطوير.

وإذا كانت هذه اللائحة تمثل بداية نهاية “فوضى الطيف الترددي”، فإنها في الوقت ذاته تمثل اختباراً مهماً لقدرة مؤسسات الدولة على الانتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية بناء النظام.

وفي المحصلة، فإن ما تحقق في وزارة الاتصالات لا ينبغي النظر إليه كإنجاز وزاري منفصل، بل كنموذج لما يمكن أن تصنعه الإرادة الإدارية حين تقترن بالكفاءة والرؤية. فالدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالقرارات الشجاعة التي تعيد تنظيم الموارد وتحمي المصالح العامة وتفتح الطريق أمام المستقبل.