مضت ستة أشهر منذ أن سكنت في هذه العمارة، وأنا لم أفهم بعد كيف تحوّلت حياتي من مواطن عادي يبحث عن سقف هادئ إلى أقلية سياسية محاصرة في الدور الثاني. يقال ان الجار قبل الدار وانا لم افهم ذلك الامتاخراً
ستة أشهر. مائة وثمانون يوماً. كل يوم أكتشف أنني الوحيد في عمارة كاملة لا تؤمن بالوحدة. أنا اللون الأبيض في لوحة قرر فيها الرسام أن كل شيء يجب أن يكون أحمر. ولو كنت أعلم هذا قبل أن أدفع الإيجار وأنقل الأثاث وأركّب الستائر لكنت طلبت خصماً على الأقل. لأن السكن في المعارضة يستحق تخفيضاً.
الدور الثالث — أبو قاسم. وهذا هو القصة والحكاية والمأساة والملهاة. رجل ضخم شاربة يشبه شارب الفوهرر (هتلر) و صوته يملأ العمارة كلها حتى حين يهمس. حتى لو همس في أذن زوجته سمعه الحارس في السطح. وان تكلم بالهاتف الجيران في العمارة المقابلة يفهمون الموضوع هذا الرجل لا يحتاج مكبّر صوت هو المكبّر والصوت والسمّاعة والجمهور.
ستة أشهر وأنا أعيش تحت أبو قاسم. وكلمة "تحت" هنا ليست مجازاً هي حقيقة هندسية وسياسية ونفسية. فوقي سقف، وفوق السقف أبو قاسم، وفوق أبو قاسم حلم الانفصال، وفوق الحلم خمسة أطفال يجرون من طلوع الشمس إلى ما بعد منتصف الليل بلا توقف كأن الأرض تحتهم تشتعل ولا مكان للراحة.
خمسة أطفال. كل واحد منهم يعادل زلزالاً بمقياس ريختر. والخمسة مجتمعين يعادلون كارثة طبيعية بكل المقاييس. أصوات ارتطام. قفز. سقوط أجسام. تكسّر أشياء لا أعرف ما هي. أحياناً أسمع صوتاً لا يشبه أي صوت عرفته البشرية كأن أحدهم يجرّ بقرة على أرضية بلاط أو يلعب البولينج بطناجر المطبخ. دبب غاز تتدحرج السقف يهتز. والنجفة تتأرجح كأنها في سفينة غارقة
ومع ذلك فإن الضجة ليست الأسوأ في أبو قاسم. ولكن السيء أنه يحوّل كل شيء في الحياة إلى قضية سياسية جنوبية. ذهبت إليه مرة — مرة واحدة أشتكي من الصوت طرقت الباب فتح ابنة الصغير وقال اتفضل ابوي بالمجلس دخلت وأبو قاسم جالس يشرب الشاي ويشاهد قناة إخبارية جنوبية بسلام نعم بسلام! كأنه ساكن بشقة في السويد مش فوق راسي .كان سلام مؤقت قلت له بكل لطف أبو قاسم الأولاد بالليل يسوون ضجة شوي ابتسم ابتسامة رجل يسمع شكوى ويترجمها لموقف سياسي ونظر لي نظرة رجل يسمع اتهاماً تاريخياً وقال إنهم أبناء الجنوب الحر وهم أحرار ولا أحد يقيّد حريتهم. _ أحرار! أنا ما طلبت اعتقالهم طلبت أنهم ما يلعبون كرة في الصالة الساعة واحدة بالليل. لكن أبو قاسم لا يسمع شكوى يسمع مؤامرة. ولا يرى جاراً يرى خصماً سياسياً يريد إسكات صوت الجنوب بدءاً من أولاده. ثم رفع صوت التلفزيون - والتلفزيون عنده جهاز تفاعلي قبل اختراع الواقع المعزز يصفق للضيف يشتم المحلل يرفع صوته للمؤيد وكانه يتابع كلاسيكو في ملعب (الكامب نو)
شعرت ان كلامي لم يعجبه لذا قلت له استأذنك ياجاري ولكن لا تعتقد انني جار مثالي انا اشخر بالليل بصوت يوقظ أهل المقابر على حسب تعبير زوجتي ولا اريد ان اطلق العنان لهذا الصوت!
هل لاحظتم أنني كنت لطيفاً معه أكثر من اللازم! وهل تساءلتم ... لماذا؟
لأنه وبرغم كل شيء، ظلَّ بيني وبين جاري أبو قاسم خيطٌ يمنيٌّ دافئ، لا تقطعه الضوضاء ولا تُفسده الخلافات الصغيرة؛ خيط من الروابط اليمنية القديمة والعادات والتقاليد الاصيلة والكرم اليمني نرسل لهم صحنَ عصيدةٍ يلمع بالسمن كأنه بيانُ حسن نوايا،
فيردّون علينا بصحن “معطف” غارق بالعسل وزيت السمسم وعلية رشة من الحبة السوداء
هنا، في هذه العمارة الصغيرة، يتكرر الوطن بحذافيره. شقق متلاصقة… وقلوب متباعدة.
ممرّ واحد يجمع الجميع، لكن كل باب يفتح على جمهورية مستقلة، وذاكرة مختلفة، وحكاية يظن صاحبها أنها الحقيقة الوحيدة التي نجت من الخراب لهذا لم أعد أحاول إقناع أبو قاسم بشيء، ولم يعد هو يحاول إقناعي. صرنا فقط نتبادل التحية بحذر الدول المتجاورة، ونعيش هدنة يومية غير معلنة