آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-01:11م

لن يتغير الواقع بالشتم واللعن...بل بالبصيرة الواعية ،،،

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 11:22 ص
د. سعيد سالم الحرباجي

في كلِّ مرحلةٍ من مراحل الانسداد السياسي... حين تضيق السُّبل، وتتراكم الخيبات، ويشعر الناس أن الأبواب أوصدت في وجوههم....

يظهر نوعٌ من “النضال السهل”؛ نضالٌ لا يحتاج إلى مشروع، ولا إلى وعي، ولا إلى كلفةٍ تُذكر…. يكفي أن ترفع صوتك، أن تلعن الجميع، أن توزّع الاتهامات يمينًا ويسارًا، ثم تنصرف مطمئنًّا إلى أنك أدّيت واجبك الوطني!!!

وهكذا....

تحوّلت بعض المجالس، وبعض المنصّات، إلى ساحاتٍ مفتوحة للشتم الجماعي، حتى ليخيّل إليك أن المشكلة الكبرى في واقعنا ليست غياب الرؤية، ولا ضعف المؤسسات، ولا تصحّر الوعي… بل نقصٌ في مخزون الشتائم!!!!


صرنا نمارس الغضب كما لو كان مشروعًا للتغيير، ونحسب أن الانفعال موقف، وأن الصراخ فعل، وأن السخرية السوداء—مع ضرورتها أحيانًا—تكفي وحدها لإعادة بناء ما تهدّم.


لكن الحقيقة الأكثر مرارة، أن الواقع لا يتغيّر باللعن، لن تسقط الفوضى لأننا شتمناها ،

ولن تنهزم الرداءة لأننا فضحناها ، ولن تنهض الأمم لأن أبناءها أتقنوا فنّ التذمّر.


إنّ الشتيمة، مهما بدت مُشبعةً للحظة الغضب، ليست سوى إعلانٍ غير مباشر عن العجز ، والانسحاب إلى زوايا النقمة، والتقوقع داخل دوائر السخط، ليس بطولةً سياسية، بل شكلٌ آخر من أشكال الاستسلام، وإن ارتدى ثوب المعارضة.


ثمّة فرقٌ كبير بين أن تكون ناقمًا، وأن تكون واعيًا....

الناقم : يرى الخراب فيصرخ.

اما الواعي : فيرى الخراب… ثم يسأل: كيف بدأ؟ ولماذا استمر؟ وكيف يمكن أن ينتهي؟

الناقم : يبحث عن مذنبٍ يعلّق عليه الهزيمة.

أما صاحب الفهم الراقي: فيبحث عن منظومة الخلل لا عن كبش فداء.


ذلك أنٌَ الأمم لا تُبنى بردود الأفعال، بل ببناء العقول القادرة على قراءة الواقع، لا الاكتفاء بلعنه.

لقد أدمن كثيرون في عالمنا العربي ثقافة “الأنكفاء”؛ ذلك التراجع الصامت إلى داخل الذات، حيث يتحوّل المواطن من فاعلٍ في مجتمعه إلى معلّقٍ غاضب على هامش الأحداث.


ينسحب من الميدان، ثم يراقبه من بعيد..

يفقد القدرة على التأثير، ثم يعوّض ذلك ببلاغة السخط ، يعتزل العمل العام، لكنه لا يعتزل الشكوى.


وهكذا تتضخم الكلمات، وتتضاءل الأفعال.

والأنكى من ذلك، أن بعض الناس باتوا يخلطون بين الوعي واليأس؛ كأن إدراك حجم الأزمة يعني التسليم لها، وكأن الحكمة تقتضي الانزواء، وكأن النجاة الفردية أهم من مسؤولية الإصلاح الجماعي.


لكن التاريخ لا يكتبه المنكفئون.

التاريخ يكتبه أولئك الذين يمتلكون شجاعة التفكير قبل شجاعة الاحتجاج.

أولئك الذين يفهمون أن بناء الإنسان مقدّمةٌ لبناء الدولة، وأن إصلاح العقل يسبق إصلاح النظام، وأن معركة الوعي أخطر من معركة السلطة.


إنّ أخطر ما يُصيب المجتمعات ليس فساد السياسيين وحده، بل عجز النخب عن إنتاج وعيٍ بديل.

حين تصبح النخبة مجرد صدى للشارع الغاضب، بدل أن تكون بوصلةً له… وحين يتحوّل المثقف إلى مجرّد شاتمٍ أكثر أناقة… وحين يصبح النقد نوعًا من التنفيس، لا وسيلةً للتقويم…

فإننا لا نكون أمام نهضةٍ مؤجلة، بل أمام تراجعٍ مُقنّع.


إننا بحاجة إلى عقولٍ واعية، لا أصواتٍ عالية. إلى أفهامٍ راقية، لا انفعالاتٍ حادّة ،إلى رجالٍ ونساءٍ يعرفون كيف يحوّلون الألم إلى فكرة، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى أثر.


فالواقع لا يخاف من الشتائم..

الواقع يخاف من الإنسان الذي يفهمه جيدًا.

لا يرتجف من اللعنات، بل من العقول التي تُحسن التشخيص، وتُتقن البناء، وتُدرك أن التغيير ليس لحظة غضب، بل رحلة وعيٍ طويلة.


ولعلّ أول خطوةٍ في طريق التغيير… أن نتوقّف عن التعامل مع الغضب بوصفه إنجازًا.

وأن نفهم، أخيرًا، أن الصراخ لا يصنع نهضة، وأن الذين يغيّرون العالم .. ليسوا أولئك الذين يلعنونه أكثر، بل أولئك الذين يفهمونه أعمق.


# صرخة وعي ،،،