أحببت أبي حبا أعجز عن وصفه ، وجالسته مجالسة ، تشبه ملازمة الرواة للعلماء ، ورافقته مرافقة الحواريين للرسل والأنبياء ، أسأل الله أن يرحمه ، وأن يغفر له ، وأن يجعل الجنة مثواه ، ربما لم تزد تلك المنادمة ، والمصاحبة لأبي عن خمسة أعوام ، لكنها كانت حافلة ، بالفوائد الأدبية ، والعلمية ، والأخلاقية ، والسلوكية ، والثقافية ، وغيرها ؛ لأنها كانت عصارة تجربة شيخ ، حافظ للقرآن الكريم ، فقيه في علوم الدين ، ملم بعلم الأنساب وأيام العرب ، نشأ في بيت حكم القبيلة ، حفظ الأعراف ، وكيف تحل النزاعات ، تشبع بالأمثال السائرة ، وأبيات الشعر النادرة ، ارتوى من مناهل الحكمة الصافية ، وتربى على الأخلاق الفاضلة ، ما جعله يصب تلك العصارة النافعة ، في قالب عقل الكاتب ، وهو لما يبلغ من عمره السابعة.
من حكاياته البديعة ، وتعاليمه الرفيعة ، قوله ذات يوم : اعلم يابني ، أن العرب قد استقبحت حمل الزاد ، أو التزود بالنوال ، لاسيما إذا ما كنت قاصدا كريما ، أو زائرا جوادا حليما ، قلت : لكن لم أفهم جيدا يا أبي ، مارميت إليه ، أو أحببت التأكيد عليه ، قال : اسمع يابني ، سأحكي لك حكاية ، تفتح مغاليق ذهنك ، وترسخ الأمر بعقلك ؛ إذ انطلقنا فجر ذات يوم ، أنا وجاري ساهن ، راجلين ، نحو المدينة ، وعند الظهيرة ، كان قد تملكنا الجوع ، وسيطر علينا الظمأ ، وفي هذه الأثناء ، قلت لرفيقي ساهن : أليس ذلك الدار الماثل أمامنا دار الشيخ الهاشمي سيف ؟ قال : أظنه كذلك ، ولكن ما الذي تريده منه ياشيخ ؟ قلت : لا أظن أنه سيتركنا نواصل سيرنا ، إلا بعد أن يطعمنا ، ويطفئ ظمأنا ، ولم يمض ثلث الساعة ، حتى نبحت علينا كلاب الشيخ سيف ، وإذا به ينادي علينا ، دون أن يتبين من نحن ، أشعرناه عن طريق الإشارة بالأيدي ، بأننا في عجلة من أمرنا ، ونود مواصلة السير ، لكنه عاد يركض نحونا ، سلم علينا وصافحنا ، ثم أقسم أن يصطحبنا إلى منزله ، أجلسنا في حجرة الاستقبال ، وجلس يتبادل معنا أطراف الحديث ، بعد أن أشار لأحدهم برمشيه ، أن يسرع في إعداد النزل ، ولم تمض دقائق حتى تنبه لما يحمل ساهن ، فسأله ، ما الذي برديفك يا ساهن ؟ قال : إنهما رغيفان من طعام الذرة الصفراء ، قال الشيخ سيف : أوتظن أنك لن تجد الطعام على هذه الطريق في سفرك هذا ؟ قال ساهن : بلى ولكن أخشى أن لا أجد الذرة الصفراء ، التي أفضلها على سائر الطعام ، وهنا تغيرت ملامح وجه الشيخ سيف ؛ إذ شعر بشيء من الإهانة ، أن يحمل الزاد قادم إليه ، أو وهو مار في مضاربه وحماه ...
وماذا بعد يا أبي ؟ على رسلك يا بني ، قال الشيخ سيف : اعطني الرغيفين يا ساهن ، ثم نادى على كلابه ، وأطعمهم رغيفي ساهن ، وفي هذا الوقت ، طلب من أحدهم ، أن يعد جفنة من ثريد الذرة الصفراء ، مروية بالمرق ، متوجة بلحم الضأن ، تتوسطها لجة من سمن البقر البلدي ، وأن يقدمها لساهن ، كما أمره أن يحضر أيضا عشرة أقراص سميكة ، من الذرة الصفراء ، نوالا لساهن ، لعله يستعين بها على ما تبقى من الطريق في سفره هذا .
وبعد أن رحل عني أبي ، وأصبحت طالبا في الجامعة ، عثرت على بيتين من الشعر ، لأبي العلاء المعري ، فيلسوف العرب ، وشاعرها الكبير ، قال فيهما :
قدمت على الكريم بغير زاد ** من التقوى ولا قلب سليم
وحمل الزاد أقبح كل عيب ** إذا كان القدوم على كريم
وهنا عادت بي السنون إلى المدرسة الثقافية الأولى ، مدرسة أبي ، التي كانت البداية الحقيقية ؛ لتثقيفي ، وتدريبي ، وتأهيلي ، وإعدادي الإعداد العربي الإسلامي القويم ، وعندها فقط ، أدركت أن مناهج العرب في الجود والكرم واحدة ، وطرائقهم في استقبال الضيف ، والتعجيل بقراه ونزله متطابقة .