تتوالى الأيام، وتتغير الوجوه، وتتكرر الوعود، لكن الواقع في عدن والمناطق المحررة يظل كما هو، إن لم يكن أسوأ. الخدمات الأساسية غائبة، والكهرباء والماء والتعليم والصحة والبيئة السليمة ما زالت أحلامًا بعيدة، والرواتب الشهرية المنتظمة لم تتحقق، والحق في العيش الكريم لا يزال مجرد شعار يُرفع في البيانات الإعلامية.
في هذا الواقع، تطرح دعوات لحوار جنوبي-جنوبي، وكأن مجرد عقد اجتماع أو توقيع بيان قادر على حل أزمات متجذرة منذ سنوات. كيف يمكن أن ينجح أي حوار بين الجنوبين إذا لم يكن هناك مصالحة حقيقية بينهم، وإذا لم يهيأ له أي التمهيد له على أساس واقعي؟ الحوار على الورق لن يغير شيئا من معاناة المواطنين، ولن يعيد الحقوق المسلوبة أو يحل الأزمات المعيشية والخدمية التي تعانيها عدن والمناطق المحررة.
بلدنا يئن من خراب مستمر، والوعود التي تطرح كحلول مؤقتة لا تتعدى الاجتماعات والمؤتمرات الإعلامية. والواقع يقول بصوت أعلى لا يمكن أن تبنى المصالحة أو يدار الحوار بعيدا عن الأرض، بعيدا عن الناس الذين يعيشون الأزمة اليومية، بعيدا عن عدن، قلب الجنوب النابض، الذي يحتم على الجميع التعامل مع معاناته قبل أي حديث عن أي حوار سياسي أو اتفاقيات.
عدن بحاجة إلى رؤية واضحة، إلى إصلاح حقيقي على الأرض، إلى مشاريع تنموية تعالج مشاكل الكهرباء والماء والتعليم والصحة، وتضمن حياة كريمة للمواطنين. الحوار يجب أن يكون ثمرة معالجة الواقع، لا بداية له، ويجب أن يكون على أرض الواقع، لمعايشة مشاكل الناس وفهم وجعهم، لا في عواصم بعيدة حيث تنسى الاحتياجات الحقيقية ويتم الحديث عن المصالح السياسية بعيدا عن المواطنين.
إن من يخطط للحوار يجب أن يبدأ من عدن نفسها والمحافظات المجاورة ، من الواقع الذي يعيشه الناس يوميا، من معاناتهم ووجعهم وحقوقهم المسلوبة، قبل أي صفقة أو نقاش سياسي. فبدون معالجة الواقع، أي حوار جنوبي-جنوبي سيظل مجرد كلام في الهواء، ولن يحقق أي تغيير ملموس.
عدن تنتظر أعمالا قبل كلمات، وحياة كريمة قبل بيانات، وواقعا أفضل قبل أي حوار.