آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-09:33م

من كاريزما الزعيم إلى فراغ الدولة: قراءة في إشكالية العلاقة بين الوعي المجتمعي ووعي السلطة

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 06:00 م
د. جمال الهاشمي

تعد الأنظمة المشخصنة في أدبيات العلوم السياسية الغربية ولا سيما في أعمال الأكاديمية الأمريكية باربرا جيديس من أكثر أنواع الأنظمة السلطوية عرضة للانهيار الكارثي عند غياب الزعيم.

وفي دراستها المعمقة حول استدامة الأنظمة ترى أن هذه النظم غالبا ما تسقط معها فكرة الدولة ذاتها لأن الحاكم في هذا النموذج لا يستمد قوته من حزب عقائدي صلب كما في بعض النماذج الأيديولوجية أو من مؤسسة عسكرية مهنية وإنما من شبكات زبائنية مخترقة للنسيج الاجتماعي والعسكري.

إن سقوط هذه النظم يبدأ ميكانيكيا بتآكل المركز التي حللها المنظر الفرنسي ريمون آرون والذي يرى أن السلطة الشخصية تقتل الفضيلة السياسية والمؤسساتية وتجعل من بقاء النظام رهنا بالقدرة على المناورة وليس على قوة القانون.

وبناء عليه فإن رحيل الزعيم يؤدي إلى ما يسمى في الأدبيات الفرنسية بالدولة المتحللة وهي الحالة التي تذوب فيها الروابط الوطنية بمجرد غياب الرمز الذي كان يمسك بتناقضاتها.

ويعني هذا أن تتحول الأزمة من سمة سياسية إلى سمة وجودية لأن النظام لم يترك خلفه بيروقراطية متوازنة قادرة على تسيير الأعمال وإنما خلف إقطاعيات سياسية تتصارع على وراثة النفوذ.

وفي هذا السياق يبرز مفهوم فخ المؤسسات الصورية الذي طرحه عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنغتون وبين أن الأنظمة التي تفشل في المؤسسية وتعتمد بدلا من ذلك على الشخصنة تترك وراءها فراغا لا يمكن ملؤه إلا بالعنف واستمرار دوامة الأزمة .

ويرى أن الاضطراب السياسي هو الثمن الحتمي الذي تدفعه المجتمعات الإتكالية التي تتبع زعيما كاريزميا يرفض بناء مؤسسات مستقلة عنه.

لذا فإن الشعب الذي يربح حريته برحيل الزعيم يجد نفسه فجأة في مواجهة الاضطرابات السياسية إذ لا توجد قنوات شرعية لتداول السلطة أو امتصاص الصراعات مما يؤدي إلى العسكرة وتعني بها تدخل القوى المسلحة والمليشيات الحزبية والطائفية والجهوية لملء الفراغ.

أما المنظر السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما فيشير في تحليله لبناء الدولة إلى أن الأنظمة الشخصية تمارس عملية تأميم للمجال العام بحيث يصبح المجتمع المدني مشلولا وغير قادر على إنتاج بدائل.

وعند رحيل الزعبم يواجه الشعب ما يسمى بأزمة الشرعية المزدوجة؛ وهنا يفتقر الخلفاء لشرعية الحاكم الراحل وفي الوقت ذاته لا تملك المؤسسات شرعية القانون.

وهذا الوضع يقود غالبا إلى فشل الدولة لأن العقد الاجتماعي كان موقعا مع شخص وليس مع كيان..

إن جوهر المأساة كما يحللها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في نظريته حول السلطة الكاريزمية هو أن هذه السلطة بطبيعتها غير قابلة للتوريث أو المؤسسية بسهولة.

وتبقى معادلة واحدة هو أن بقاء الزعيم هو بقاء لتوازن الضعف بين القوى المتصارعة تحت حكمه ورحيله هو إطلاق سراح لهذه القوى الفوضوية لتتصادم في فراغ لا تحكمه القواعد.

ولهذا السبب فإن الأنظمة الشخصية تسقط برحيل الأشخاص لأنها في الحقيقة لم تكن أنظمة بالمعنى العلمي وإنما كانت ترتيبات مؤقتة تتمحور حول حياة الفرد وحين ينتهي الفرد ينتهي الترتيب ويترك الشعب وحيدا ليواجه عقودا من تجريفات السياسة وتأليه الزعامة فيصبح الرحيل انتحارا للمجموع، والبقاء استنزافا طويلا للأمة وهنا نجد أن الفرد الذي استمرأ الولاء المصلحي يبحث عن تأليه جديد أو آلهة متعددة يتقلب بينها بحثا عن مصالحه ومكاسبه وهذه العقلية هي التي تهيمن على عقلية القبيل والثقافة الحزبية والدينية داخل المجال العام.

ومن ثمة تنتقل الأزمات في النظم الشخصية أو الزعمية من هيكلة الدولة إلى سوسيولوجيا الشعوب حيث تمارس هذه الأنظمة عملية إعادة صياغة قسرية للهوية الجمعية والسلوك الأخلاقي بنفس ما تمارسه الميليشيات والأحزاب والجهويات على اتباعها في دول المازومة في العقل والوعي والفكر والواقع .

وفي أدبيات علم الاجتماع السياسي الغربي ولا سيما في أعمال المنظر الألماني تيودور أدورنو حول الشخصية السلطوية نجد أن العيش الطويل تحت ظل الفرد المركز يخلق مجتمعا يعاني من الاتكالية السياسية.

وهنا يصبح الوعي الجمعي في هذه الحالة قائما على ردود فعل عاطفية لا وعيا مبادرا.

لأن المواطن اعتاد أن تكون الدولة هي الأب الرعوي"الذي يمنح ويمنع وفق الولاء.

وهنا فقطت في مثل هذه النظم تتحول الوظيفة في الدولة وكذلك الوظيفة الاستاذية والبحثية إلى ضمانة اجتماعية وهذا من أهم أسباب فشل الموظف الرسمي في دول النظم التي سلبت الوعي المؤسسي ثقافة في الشعب أو ممارسة في الحكم.

ومن ثم يطور هذا النموذج منظومة أخلاقية نفعية تقوم على التملق كآلية للبقاء وهو ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بالعنف الرمزي الذي يمارسه النظام لتطبيع الخضوع وتحويله إلى جزء من الهابيتوس أو البناء السلوكي للشعب.

إن الشعوب في ظل هذه الدول غالبا ما تقع في فخ تذرير المجتمع وهي الحالة التي حللتها حنة أرندت بدقة إذ تشير إلى أن النظام يعمل على تكسير الروابط الأفقية بين الناس كالنقابات والأحزاب والجمعيات المستقلة لتبقى الرابطة الوحيدة هي الرابطة العمودية بين الفرد والزعيم.

وهذا التجريف يخلق مجتمعا مفتتا يفتقر إلى الثقة البينية وهنا لا يرى المجتمع نفسه ككتلة واحدة ذات مصالح مشتركة وإنما كمجموعات متصارعة على فتات مائدة القصر.

ومن الناحية الأخلاقية يؤدي هذا إلى سيادة أخلاق الزبائنية و تصبح القرابة أو الولاء الحزبي الضيق أسمى من الكفاءة أو الصالح العام مما يخلق وعيا مشوها يقدس القوي بدلا من الحق.

أما فيما يخص النخب المثقفة فإن مأساتها في النظم الشخصية تتجلى بحسب وصف المفكر الفرنسي جوليان بخيانة المثقفين وفي هذه البيئات يوضع المثقف أمام خيارين: إما التحول إلى "

مبرر لسياسات القائد فيسخر أدواته المعرفية لصياغة أيديولوجيا الضرورة أو الإقصاء التام والعيش في المنفى الداخلي. ويشير المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد في تحليلاته للمثقف والسلطة إلى أن هذه النظم تنجح غالبا في تدجين النخبة عبر تحويلها إلى بيروقراطية ثقافية تابعة للدولة.

وهذه النخبة تفقد دورها كضمير للأمة لتصبح أداة في يد النظام فتجمل القبح السياسي وتبرر الانسداد والفوضى والفشل تحت مسميات الحفاظ على الاستقرار أو الخصوصية الوطنية.

وعندما تسقط هذه الأنظمة برحيل الأشخاص تنكشف عورة المجتمع والنخبة معا؛ حيث يجد الشعب نفسه بوعي السفيه فاقدا للقدرة على التنظيم الذاتي لأنه لم يسمح له بممارسة السياسة لعقود مما يجعله فريسة سهلة للمشاريع الغرائزية و العرقية أو الطائفية التي تملأ فراغ الهوية الوطنية المحطمة.

أما النخبة فتصاب بالدوار السياسي وتفشل في قيادة المرحلة الانتقالية لأنها ببساطة لم تتدرب على الحوار والمساومة وإنما تعودت على الخضوع والإذعان .

إن الأخلاق العامة في مرحلة ما بعد السقوط تعكس تماما ما زرعه النظام:

- صراع مرير على الهيمنة بين مكونات النفوذ.

- تفكك في القيم الاجتماعية.

- ضياع بوصلة الوعي بين الحنين لماض مستبد ومستقبل مجهول المعالم.

وكما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إن السلطة لا تمارس القمع فقط وإنما هي منتجة للحقيقة ولأنماط السلوك.

والمأساة أن الأنظمة السلطوية الشخصية تنتج حقيقة مشوهة وسلوكا مذبذبا ينهار تماما بعد غياب الرمز.

وفي مثل هذا التحول تحتاج المجتمعات لقائد مربي يعيد تجديد القيم ورفع نسبة الوعي والتعليم والوحدة على أن يجمع بين الأبوة الرحيمة وقوة العدل .