تُعدّ عمليات السلام في النزاعات المعقّدة مسارات متداخلة ومترابطة، وليست مجرد اتفاقات آنية أو تفاهمات مؤقتة لوقف العنف. وفي الحالة اليمنية، يمكن فهم أي جهد حقيقي لإحلال السلام من خلال ثلاثة مسارات رئيسية تشكل بمجملها الهيكل العام لأي تسوية سياسية مستدامة، وهي: مسار بناء الثقة، ومسار العملية السياسية، ومسار العملية الانتقالية. ومن دون التكامل بين هذه المسارات، ستظل الجهود الإقليمية والدولية تدور في إطار إدارة الأزمة لا حلّها.
يمثل مسار بناء الثقة المرحلة الأولى والأساسية في أي عملية سلام، وهو المسار الذي يجري الحديث عنه بصورة مكثفة خلال المرحلة الراهنة. ويهدف هذا المسار إلى تخفيف المعاناة الإنسانية وتهيئة البيئة المناسبة للانتقال نحو حوار سياسي أوسع. ويتضمن هذا المسار جملة من الإجراءات العملية، أبرزها وقف إطلاق النار، وفتح المطارات والموانئ والطرق، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، إلى جانب التوصل إلى تسوية اقتصادية أولية تضمن دفع الرواتب وتحسين الأوضاع المعيشية. وتكمن أهمية هذا المسار في كونه يحدّ من التصعيد العسكري، ويخلق مناخاً أقل توتراً يسمح للأطراف بالانتقال من منطق الحرب إلى منطق التفاوض.
غير أن مسار بناء الثقة، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي الشامل، بل هو مجرد مدخل إليه. فالمسار الثاني، وهو مسار العملية السياسية، يُعدّ جوهر عملية السلام الحقيقية، لأنه يتناول القضايا العميقة المرتبطة بطبيعة الدولة وشكل النظام السياسي ومستقبل توزيع السلطة والثروة والنفوذ. وفي هذا المسار تدخل أطراف النزاع والفواعل السياسية المختلفة في مفاوضات وحوارات تتعلق بمستقبل الكيان السياسي، سواء كان ذلك في إطار دولة اتحادية، أو نظام الأقاليم، أو الفيدرالية، أو الكونفدرالية، أو العودة إلى الوضع الطبيعي السابق عودة الدولتين، وفقاً لما يتم التوافق عليه بين القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة.
كما يشمل هذا المسار معالجة الملفات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وإعادة تعريف العلاقة بين المركزية ولا مركزية ، وضمان المشاركة السياسية العادلة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة التنوع والصراع بصورة سلمية. ومن هنا فإن نجاح العملية السياسية يتوقف على مدى قدرتها على معالجة جذور الأزمة وليس فقط نتائجها الظاهرة.
أما المسار الثالث، فهو مسار العملية الانتقالية، الذي يأتي بوصفه المرحلة التنفيذية لما يتم الاتفاق عليه في العملية السياسية. ففي هذه المرحلة يتم وضع خارطة طريق واضحة وآليات تنفيذية محددة لتنفيذ مخرجات التفاهمات السياسية، بما يشمل تشكيل سلطات انتقالية، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتنظيم الاستحقاقات الدستورية والسياسية، وإدارة المرحلة الانتقالية بما يضمن الانتقال من حالة الصراع إلى حالة الاستقرار السياسي والمؤسسي.
وتبرز أهمية العملية الانتقالية في كونها تمثل الجسر العملي بين الاتفاق السياسي النظري وبين بناء واقع سياسي جديد على الأرض. فالكثير من اتفاقات السلام في العالم فشلت ليس بسبب غياب التفاهمات، بل بسبب غياب الآليات التنفيذية الواضحة والضمانات الكافية لتنفيذها.
وفي ضوء ذلك، فإن أي قراءة واقعية للمشهد في الجنوب واليمن تقتضي التأكيد على أن الجهود الإقليمية والدولية والأممية الرامية إلى إحلال السلام تظل جهوداً مرحباً بها من حيث المبدأ، نظراً لما تمثله من محاولة لوقف الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية. غير أن هذه الجهود ستظل، في نظر كثير من الفاعلين السياسيين، تدور في حلقة مفرغة إذا استمرت في مقاربة الأزمة في الجنوب واليمن بعيداً عن جذورها الحقيقية، وفي مقدمة تلك الجذور قضية الجنوب وحق شعب الجنوب في التعبير عن تطلعاته السياسية ومستقبله.
إن تجاهل القضايا الجوهرية أو محاولة تأجيلها تحت ضغوط التسويات المرحلية قد يؤدي إلى إنتاج سلام هش ومؤقت، سرعان ما ينهار أمام تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي. فالتجارب التاريخية تؤكد أن السلام المستدام لا يتحقق عبر إدارة التوازنات المؤقتة، بل عبر الاعتراف بالقضايا الحقيقية ومعالجتها بصورة عادلة وشاملة.
ومن هنا، فإن الوصول إلى سلام دائم في جهة اليمن يتطلب الانتقال من سياسة احتواء الأزمة إلى سياسة معالجة جذورها البنيوية والسياسية، بما يضمن إشراك جميع الأطراف والقضايا الرئيسية في عملية تفاوضية شاملة وعادلة. وفي نهاية المطاف، يبقى المبدأ الثابت في مسارات الصراع والتسوية أن الحلول غير العادلة قد تؤجل الأزمات، لكنها لا تنهيها، وأن ما يصحّ إلا الصحيح.
والله من وراء القصد