حرب المسيّرات .. كيف تحوّل اليمنيون في روسيا إلى وقود لمعركة لا ترحم؟
حرب بلا خنادق .. هكذا باتت الحرب الروسية الأوكرانية .. لم تعد مجرد مواجهة تقليدية بين جيشين يتقاتلان على خطوط النار والخنادق.
بل تحولت إلى واحدة من أخطر حروب الاستنزاف التكنولوجي في العصر الحديث، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة سلاحاً يقرر مصير الجنود والمدن وحتى الدول.
في هذه الحرب، لم يعد الموت يأتي من دبابة تُرى أو طائرة تُسمع، بل من طائرة صغيرة بحجم حقيبة، تحوم في السماء لساعات، تراقب، تتعقب، ثم تنقضّ بدقة قاتلة على أي هدف يتحرك، حتى لو كان جندياً واحداً.
الجبهات تحولت إلى مناطق قتل مفتوحة، والتحصينات التقليدية لم تعد تحمي أحداً، والخنادق نفسها أصبحت مكشوفة أمام أعين المسيّرات التي لا تنام.
وبينما تتصاعد وتيرة التصنيع العسكري للطائرات دون طيار لدى روسيا وأوكرانيا بشكل غير مسبوق، تتزايد أعداد الضحايا والمفقودين، ليس فقط من الروس والأوكرانيين، بل أيضاً من الأجانب الذين زُجّ بهم في هذه المحرقة.
ومن بين هؤلاء، يمنيون شبان، يمنيون دفعهم الفقر، والبطالة، والانهيار الاقتصادي، والوعود الكاذبة، إلى السفر نحو روسيا بحثاً عن فرصة أو حياة أفضل، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم وسط واحدة من أكثر الحروب فتكاً في العالم.
بعضهم قُتل، بعضهم اختفى، وبعض الأُسَر فقدت الاتصال بأبنائها بالكامل، دون أي معلومات واضحة عن مصيرهم.
المأساة هنا لا تكمن فقط في الموت، بل في الطريقة التي يُدفع بها هؤلاء إلى المجهول، في حرب تعتمد اليوم على المسيّرات الانتحارية والأسلحة الذكية التي حولت الإنسان إلى هدف إلكتروني يمكن اصطياده خلال ثوانٍ.
الطائرات المسيّرة الأوكرانية والروسية لم تعد مجرد أدوات مساندة، بل أصبحت آلة استنزاف هائلة تفتك بالأفراد والمعدات على مدار الساعة.
تقارير عسكرية غربية تتحدث عن أن نسبة ضخمة من خسائر الحرب باتت تُسببها طائرات FPV الانتحارية الرخيصة، التي لا تتجاوز تكلفة بعضها بضع مئات من الدولارات، لكنها قادرة على قتل جندي أو تدمير عربة مدرعة كاملة.
وفي ظل هذا التصعيد، لم تعد روسيا تعتمد فقط على قواتها المحلية، بل اتجهت إلى الاستعانة بمقاتلين ومتعاقدين من خارج البلاد، وسط تقارير متزايدة عن استقطاب مهاجرين وأجانب، بينهم يمنيون، للزج بهم في مناطق خطرة ومعقدة.
السؤال الأخطر هنا .. من يحمي هؤلاء؟
ومن المسؤول عن ترك الشباب اليمني فريسة لهذه الحرب؟
الأكثر إيلاماً أن أصابع الاتهام باتت تتجه نحو شخصيات وجهات محسوبة على مؤسسات رسمية، يُقال إنها تسهّل عمليات السفر أو التغاضي عنها مقابل مصالح وصفقات ومكاسب مالية، في وقت يفترض بالدولة أن تكون خط الدفاع الأول عن مواطنيها، لا شريكاً في المأساة.
بدلاً من بناء سياسات تحمي الشباب من الهجرة الخطرة، وتوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة، تُترك الأبواب مفتوحة أمام شبكات الاستغلال والسماسرة، ليصبح اليمني مادة خاماً لحروب الآخرين.
اليوم، ومع اتساع حرب المسيّرات، تبدو العواقب أكثر رعباً من أي وقت مضى، فالحرب لم تعد حرب جبهات يمكن النجاة منها بالاختباء أو الانسحاب، بل حرب مراقبة وقتل دائم، حيث يمكن لطائرة صغيرة أن تلاحق هدفها حتى آخر متر بطريقة خيالية ومرعبة.
ومع التصعيد العسكري المتواصل، والتطور السريع في تقنيات الطائرات الانتحارية، فإن احتمالات النجاة تتقلص يوماً بعد آخر، بينما تتزايد أعداد المفقودين والقتلى بصمت.
الأسر اليمنية التي تنتظر اتصالاً من ابن غاب منذ أشهر، لا تبحث عن تحليلات عسكرية ولا عن خرائط المعارك، بل عن إجابة واحدة فقط .. هل ما زال حياً؟
لكن المؤشرات القادمة من ساحات الحرب لا تبعث على الاطمئنان .. فالمعركة تتجه نحو مرحلة أكثر دموية، وأكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي والطائرات الذاتية والهجمات الجماعية بالمسيّرات، ما يعني أن أي شخص يُلقى به في هذه الحرب قد يجد نفسه في مواجهة موت لا يُرى ولا يُسمع إلا في اللحظة الأخيرة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي الأكبر .. إلى متى سيظل اليمنيون يدفعون ثمن الحروب التي لا تخصهم؟
وإلى متى سيبقى الفقر واليأس بوابة عبور نحو الموت في جبهات الآخرين؟