آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-09:47م

العرب ومشاريع التغيير عبر قرن من الزمن...

الأحد - 17 مايو 2026 - الساعة 05:36 م
د. سلطان مشعل

منذ سقوط الخلافة العثمانية وحتى اللحظة لم تتوقف المنطقة العربية عن البحث المحموم عن صيغة مستقرة للدولة وعن نموذج ناجح للتغيير.

قرنٌ كاملٌ والعرب ينتقلون من تجربة إلى أخرى دواليك حتى بدا وكأن المنطقة تعيش داخل مختبر سياسي مفتوح جُرِّبت فيه الأفكار والأنظمة وجُرِّبت الثورات والانقلابات.

وبقيت الشعوب تدفع "وحدها" الكلفة الأكبر.


لم يكن سؤال التغيير في العالم العربي مجرد قضية سياسية وإنما كان أسئلة وجود وهوية ومصير:

كيف يمكن الانتقال من التخلف إلى النهضة؟

ومن الاستبداد إلى الدولة؟

ومن الفوضى إلى الاستقرار؟

وهل يمكن تحقيق التحول دون انهيار المجتمعات وتمزق الأوطان؟


لقد شهدت المنطقة العربية كل أشكال التغيير لكن معظم تلك الأشكال دُفعت أثمانها باهظة؛ وكأن التاريخ كان يختبر العرب بالنار في كل مرة.


بدأت الحكاية بالخروج من عباءة الخلافة العثمانية ثم نشوء الدول القُطرية الحديثة تحت "الانتداب الأوروبي" حيث وُلدت الكيانات العربية الجديدة وهي تحمل تناقضات التأسيس، فاستقلالٌ شكلي وحدودٌ مصطنعة ونخبٌ سياسية مرتبطة بإرادة الخارج أكثر من ارتباطها بإرادة الداخل.


ثم جاءت مرحلة الثورات على الاستعمار وصعود التيارات القومية واليسارية واليمينية، في حين كان التأثر بالنماذج الشرقية والغربية قد فرض نفسه وبقوة فتحولت المنطقة إلى ساحة صراع أيديولوجي عالمي أكثر منها مشروعا عربيا خالصا.


لكن الأحلام ما لبثت أن دخلت مرحلة من الانقلابات العسكرية والتي أصبحت الدبابة حينها أسرع طريق إلى السلطة، وتحولت شعارات التحرر والعدالة إلى أنظمة مغلقة فشلت في إدارة التحول بل أفضت في كثير من الأحيان إلى حمامات دم ودورات متكررة من العنف والخوف والانهيار.

ففي الجزائر جرت واحدة من أكثر التجارب العربية "نجاحا" ففي انتخابات العام (1990) م فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباسي مدني وعلي بلحاج في مشهد أقل ما يقال عنه بأنه انتقال ديمقراطي تاريخي.

غير أن المؤسسة العسكرية أوقفت المسار بالقوة لتدخل الجزائر بعدها في "العشرية السوداء" وهي واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ المنطقة الحديثة والتي ما تزال آثارها النفسية والسياسية حاضرة حتى اليوم.


أما في العراق فكان هناك نموذج التغيير عبر الغزو الخارجي وذلك في العام (2003) م وخلال ذلك الغزو لم يسقط النظام السياسي فحسب! بل انهارت دولة بكامل مؤسساتها وطحنت البلد طحنا تحت الاحتلال الأمريكي ليتحول التغيير إلى كارثة إنسانية وتمزق اجتماعي وتفكك قيمي ناهيك عن الفوضى الممنهجة والتي ما تزال قائمة إلى يومنا هذا وامتدت آثارها إلى الإقليم والعالم.

لقد كان ذلك الغزو لحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث إذ أثبت أن إسقاط الأنظمة بالقوة الخارجية قد يهدم الدولة ويفكك المجتمع ويدمر القيم.

وفي الوقت نفسه كانت سوريا تُجرى فيها عمليتان للتغيير لكن النظام في سعيه لـ "تغيير الشعب" والتفريط بالجغرافيا كان أكثر فاعلية من الشعب الذي يريد تغيير النظام والابقاء على الجغرافيا.

وبعد خمسة عقود من القمع وإعادة تشكيل المجتمع والخوف المنظم والموت الممنهج انتهت بسقوط النظام مع العثور على بقايا عظام تحت الركام! بينما كانت أجزاء من الجغرافيا قد ضاعت بين الحروب والنفوذ والتشظي.

وإلى حدٍ بعيد كانت وما زالت السودان أقرب إلى النسخة السورية حيث لم تتوقف محاولات الشعب هناك للوصول إلى بر الأمان.

لكن الفاعل الخارجي يبدو أسرع في سعيه لإعادة تشكيل "الإنسان والمكان" وبوتيرة عالية ليس "بر الأمان" وجهتها ولا مقصدها.


وفي تونس كانت التجربة الأكثر وعدا خلال ما "سُمّي" بـ "الربيع العربي".

خرج الشعب وغادر النظام وجرت انتخابات حقيقية وفاز تيار يمثل الفئات الشعبية والفقيرة والعاطلين عن العمل، في مواجهة طبقات المال والإعلام والنخب التقليدية.

بدت التجربة حينها الأقرب إلى النجاح لكن الانقسام المجتمعي العميق والفرز النخبوي الممول، بالإضافة لصراع الدولة القديمة مع السلطة الجديدة وتعقيدات الاقتصاد والسياسة، كلها دفعت التجربة إلى التعثر رغم أنها كانت الأكثر قابلية للاستمرار مقارنة بغيرها.


وبالنسبة لليبيا فقد دخلت مرحلة التغيير عبر حراك داخلي مدعوم بتدخل خارجي عربي وأوروبي، انتهى بمقتل معمر القذافي وسقوط النظام، لكن الدولة نفسها دخلت في دوامة اصطفافات وصراعات مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية، قادت البلاد إلى الانقسام والتشظي.


وفي المغرب ظهرت تجربة مختلفة نسبيا؛ حيث تم التغيير عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع.

جرب الشعب تيارا سياسيا لعدة سنوات ثم أسقطه عبر الوسائل الديمقراطية ذاتها حين فشل في الوفاء بوعوده.

وعادت الحياة السياسية إلى توازنها دون انهيار الدولة أو انفجار المجتمع.

فكانت تلك التجربة من النماذج العربية النادرة التي غيرت السلطة دون أن تكسر النظام العام للدولة ودون أن يُمس المجتمع في نسيجه وقيمه.


أما مصر فقد كانت تجربتها مختلفة تماماً حيث بدا الحكم الجديد نتيجة الاحتجاجات وتنحي مبارك بدا وكأنه إعادة إنتاج متأخرة لأزمة الخليفة الثالث عثمان بن عفان في سنتيه الأخيرتين "رجل صالح" لكن من دون إدارة فعالة للتوازنات ولا قدرة على توظيف المؤسسات والكفاءات ولا قراءة دقيقة لتحولات الداخل والخارج، فكان أن وُلد مشهد آخر من رحم ذلك المشهد، في نتيجة طبيعية لـ صدام "السياسة" بـ "العجز الإداري".


ويبقى اليمن حالة مختلفة عن غيرها.

فالبلدٌ يشبه التاريخ حين يقرر أن تكتبه أقلامٌ متضادةُ الوظائف متباينةُ الأحبار.

فتشابكات القبيلة والدولة وتقاطعات الجغرافيا والسلاح وتداخلات التدخلات، ناهيك عما انسحب إلى الإسلام من خلافات القرشيين في جاهليتهم و"اختيرت" اليمن - مع الأسف - كبيئة مناسبة لتكاثر تلك الأوباء.!

كل تلك التشابكات تجعل من الحديث عن اليمن حديث استثناءٍ عربيٍ مركّب يحتاج إلى مساحات أخرى لفهمه.!


في المقابل قدّمت بعض دول الخليج نموذجا مختلفا في التغيير خاصة في الكويت وقطر والبحرين والإمارات، حيث جرى جزء مهم من الإصلاح من داخل الدولة نفسها، لا عبر إسقاطها.

وكان التطوير تدريجيا محسوبا وبدون صدام مع البنية الاجتماعية، ما ساهم في تحقيق مستويات عالية من الاستقرار والتنمية.


لكن التجربة الأبرز عربيا وشرق أوسطيا تبقى ما جرى في المملكة العربية السعودية بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز والأمير محمد بن سلمان.

ذلك التحول لم يكن مجرد إصلاحات اقتصادية أو اجتماعية عابرة فحسب بل كان إعادة صياغة "شاملة" للدولة والمجتمع والاقتصاد والدور الجيوسياسي.

اللافت أن هذا التغيير رغم "ضخامته" كان الأقل كلفة والأهدأ ضجيجا والأسرع إثمارا مقارنة بتجارب المنطقة حيث لم يأتِ عبر احتجاجات أو صدام داخلي ولا عبر احتلال خارجي ولا عبر انهيار مؤسسات الدولة، ولكنه أتى عبر إعادة هندسة تدريجية وعميقة لمفهوم الدولة الحديثة مع رؤية استراتيجية طويلة المدى تسعى لنقل البلاد من الاعتماد "الريعي" إلى القوة التنموية والإقليمية الشاملة.


لقد أثبتت تجارب العرب خلال القرن الأخير حقيقة قاسية:

ليست كل الثورات تصنع أوطانا! وليست كل الانقلابات تبني دولًا! وليست الديمقراطية وحدها ضمانا للعبور! كما أن الاستقرار بلا إصلاح يتحول مع الوقت إلى قنبلة مؤجلة.


إن التغيير الحقيقي لا يُقاس بسرعة الوصول إلى السلطة، بل بقدرة من وصل على "البقاء" المقترن بـ "الوفاء والنقاء" ، ومن ثم قدرت المجتمع على التماسك" بل وقدرة المشروع السياسي على "صناعة المستقبل" دون أن يبتلع الحاضر.

فهل تعلَّم العرب أخيرا أن بناء الدولة أصعب بـ كثير من إسقاطها؟!


ويبقى السؤال:

أكو عرب؟!