لكي نفهم ما جرى في اليمن بعد صيف 1994، علينا أن نتخفف قليلًا من عقلية الشكوى المحلية، وأن ننظر إلى مرآة التاريخ العالمي. فالسلوك البشري المنتشي بنصر السلاح يكاد يتكرر بصور متشابهة عبر العصور؛ إذ لم تكن عقلية “الفيد والإقصاء” التي تمددت بعد يوليو خطيئة يمنية مبتكرة، بل وجهًا مألوفًا لعقل المنتصر حين يظن أن القوة العسكرية تكفي وحدها لبناء الدولة.
هكذا تصرفت أمم وإمبراطوريات كثيرة بعد الحروب الكبرى. فالسلاح قادر على حسم المعركة وإخضاع الجغرافيا، لكنه يضع النخب المنتصرة أمام امتحان أكثر تعقيدًا: هل تمتلك عبقرية الاستيعاب وإعادة بناء الشراكة الوطنية، أم تقع في فخ “عمى القوة” الذي يحول الانتصار إلى بذرة أزمة مؤجلة؟
عندما وضعت الحرب أوزارها، مع دخول طلائع الجيش اليمني إلى مدينة المكلا شرق البلاد، ثم دخول قوات الشرعية الدستورية إلى عدن في السابع من يوليو وإعادة إخضاعها لدستور الجمهورية اليمنية وقوانينها، بدا الجنوب وكأنه يقف أمام لحظة نفسية وسياسية شديدة التعقيد.
فقد انقسمت مشاعر السكان هناك بين مرحب بنهاية كابوس حكم الحزب الاشتراكي اليمني، ومحايد يراقب بحذر مآلات الواقع الجديد، وهؤلاء كانوا كثرًا، وبين غاضب رأى فيما جرى هزيمة سياسية وعسكرية للجنوب، واعتبر أن الحرب انتهت بتمكين سلطة يغلب عليها الطابع الشمالي في بلد يحمل توازنات مذهبية واجتماعية وتاريخية شديدة الحساسية.
وفي المقابل، كانت الضفة الشمالية تعيش نشوة انتصار واضحة في شوارع صنعاء وتعز وإب وذمار ومأرب وعمران. غير أن فهم هذا الانتصار لم يكن موحدًا؛ فبينما رآه قطاع واسع انتصارًا لـ«الشمال» الذي ظل، في نظرهم، هدفًا لخطاب عدائي صادر عن سلطات عدن خلال مراحل من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تعامل آخرون معه بوصفه انتصارًا للشرعية الدستورية ولمشروع الوحدة الوطنية. بل إن بعض الأصوات ذهبت أبعد من ذلك حين عبّرت عن الحرب باعتبارها “عودة الفرع إلى الأصل”، في تعبير كثيف الدلالة عن طبيعة الوعي السياسي والاجتماعي الذي كان يتشكل آنذاك.
لكن وسط ذلك الصخب، كان هناك، خلف جدران القصور السيادية، رجل اعتاد ـ كما وصف نفسه ـ “الرقص على رؤوس الثعابين”، يرسم ملامح مشهد جديد لليمن. بالنسبة للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، لم يكن النصر قد اكتمل بعد، وكانت سعادته منقوصة؛ فالدستور الذي وُلد مع الوحدة ظل، في نظره، يضع قيودًا على السلطة المطلقة عبر صيغة المجلس الرئاسي وتقاسم القرار.
ومن هنا بدأ التحرك نحو إعادة تشكيل النظام السياسي بما ينسجم مع موازين القوة الجديدة التي أفرزتها الحرب. أخرج الرجل حبال الساحر من جعبته، ودخل في مقايضة سياسية معقدة: تعديل المادة الخاصة بالمجلس الرئاسي مقابل تعديل المادة المتعلقة بالشريعة الإسلامية لتصبح “المصدر الرئيسي والوحيد للتشريع”.
لم تكن تلك مجرد تعديلات دستورية تقنية، بل كانت إعلانًا مبكرًا عن ميلاد مرحلة سياسية جديدة، انتقلت فيها الدولة من صيغة الشراكة المرتبكة إلى مركزية أكثر صلابة، تركزت فيها السلطة بصورة متزايدة داخل يد المنتصر.
وفي تلك اللحظة المفصلية من تاريخ اليمن الحديث، بدأ قطار الإقصاء والتهميش يتحرك ببطء، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مسار سياسي واجتماعي كامل. وكان الوقود الذي يدفع عرباته هو ثقافة “الفيد” بمستوياتها المختلفة: فيدٌ سياسي تجسد في التفرد بالسلطة وإعادة هندسة الدولة وفق ميزان المنتصر، وفيدٌ اقتصادي تعامل مع جغرافيا الجنوب بوصفها غنيمة حرب أكثر من كونها شريكًا في وطن موحد، وفيدٌ اجتماعي غذّى شعورًا بالاستعلاء لدى بعض مراكز النفوذ تجاه المناطق الخارجة لتوها من الهزيمة.
وكان المنتظر من سلطة صنعاء، بعد انتهاء الحرب، أن تقدم مشروعًا وطنيًا واسعًا لرد الاعتبار للمواطن الجنوبي، وأن تساعده على الخروج من إرث سنوات طويلة من الحكم الأيديولوجي الصارم وما رافقها من أنماط التقييد والإفقار وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي. غير أن نشوة الانتصار دفعت السلطة إلى الاعتقاد بأن الحسم العسكري يكفي وحده لصناعة الاستقرار، وأن إخضاع الأرض يعني بالضرورة كسب الإنسان.
ومع ترسخ موازين القوة الجديدة، فُتحت أبواب الجنوب أمام شبكات النفوذ والفساد التي تمددت تحت حماية المنتصر. لم يكن الأمر مجرد انتقال سلطة من طرف إلى آخر، بل تحولًا عميقًا في طريقة إدارة الدولة والثروة والمجتمع.
في عدن، المدينة الخارجة للتو من أوجاع الحرب، تُرك هامش واسع لمراكز القوى والنافذين كي تمارس البسط على الأراضي والممتلكات، وتتعامل مع المدينة بوصفها مساحة مفتوحة للغنيمة أكثر من كونها عاصمة اقتصادية يفترض إعادة ترميمها وإنقاذها. وبينما انشغل صغار المنتفعين بعمليات العبث اليومي، كانت الطبقة النافذة تتقاسم النفوذ الاقتصادي الأكبر، خصوصًا عقود الخدمات المرتبطة بقطاعي النفط والغاز في شبوة وحضرموت، حيث جرى توزيع الامتيازات وفق موازين القوة والولاء.
وفي الوقت الذي كان فيه أبناء تلك المناطق يتطلعون إلى فرص عمل تستوعب البطالة وتحسن أوضاعهم المعيشية، اتجهت سياسات التوظيف نحو استقدام كوادر وعمالة من مناطق النفوذ الأقرب إلى السلطة، فيما جرى دفع كثير من الشباب الجنوبي نحو الهجرة والبحث عن فرص في السعودية ودول الخليج.
وبالتوازي مع ذلك، تعرضت البنية الإدارية والتنموية الجنوبية لحالة إنهاك طويلة؛ إذ جرى إضعاف مؤسسات الدولة تدريجيًا، وتفريغ كثير من القطاعات من كوادرها التكنوقراطية، بينما تراجعت القدرة المحلية على صناعة القرار حتى داخل المحافظات نفسها، حيث باتت إدارة عدن ولحج وأبين وحضرموت وشبوة مرتبطة بمراكز نفوذ خارجها أكثر من ارتباطها باحتياجاتها الفعلية.
ولم تكن قطاعات التعليم والصحة بعيدة عن هذا التراجع؛ فقد أصابها الإهمال والفساد الإداري والتآكل المؤسسي، في وقت كانت فيه الحاجة ملحّة لبناء نموذج تنموي يعيد دمج الجنوب داخل مشروع الدولة الجديدة. لكن ما حدث فعليًا أن عجلة التنمية دخلت حالة شلل شبه دائم، وتحولت كثير من المشاريع إلى أعمال هشة تفتقر إلى الرؤية والكفاءة، حتى بدا وكأن الحرب لم تنتهِ بالكامل، بل غادرت الميدان فقط إلى داخل مؤسسات الدولة نفسها.
وهنا تحديدًا بدأت البذور الأولى لأزمة ستنفجر لاحقًا بأشكال متعددة. لأن الدولة التي تتعامل مع النصر باعتباره تفويضًا مفتوحًا، غالبًا ما تعجز عن رؤية الشقوق الصغيرة التي تتسع بصمت تحت أقدامها، حتى يأتي اليوم الذي تتحول فيه تلك الشقوق إلى صدوع تهزّ الفكرة الوطنية بأكملها.