آخر تحديث :الجمعة-22 مايو 2026-09:16م

تعدد الأدوية أم تراكم الأمراض؟ حين يتحول العلاج إلى جزء من الأزمة..

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 05:27 م
د. سلطان مشعل

في العصر الحديث لم تعد المعضلة الطبية الكبرى مقتصرة على الأمراض وحدها بل أصبحت تمتد إلى ما يُفترض أنه وسيلة النجاة منها الأدوية نفسها.

فكلما توسعت البشرية في صناعة العلاج اتسعت معها منطقة رمادية شديدة الحساسية،تتقاطع فيها الفوائد الطبية مع المخاطر الدوائية، حتى بات السؤال الأكثر إلحاحا من أي وقت مضى:

هل الخطر الحقيقي يكمن في تراكم الأمراض؟

أم في تراكم الأدوية التي تُستخدم لعلاجها؟!

هذا السؤال لم يعد ترفا فكريا بل أصبح قضية علمية وإنسانية واقتصادية تمس ملايين البشر خصوصا في المجتمعات التي تعاني من هشاشة الأنظمة الصحية وضعف الرقابة الطبية وغياب ثقافة الاستخدام الرشيد للدواء.


لقد كشفت دراسات دولية واسعة النطاق أن ما يُعرف بـ "الآثار الجانبية الدوائية الخطيرة" (Adverse Drug Reactions - ADRs) يمثل أحد أخطر التحديات الصحية المعاصرة ليس فقط بسبب حجم الوفيات المرتبطة به بل بسبب اتساع الظاهرة داخل المستشفيات وخارجها.

لكن قبل الدخول في الأرقام من الضروري التفريق بين ثلاثة أنماط رئيسية من الوفيات المرتبطة بالأدوية:

الأول/ الوفاة الناتجة عن خطأ دوائي كـ إعطاء جرعة خاطئة أو وصف غير دقيق

الثاني/ الوفاة الناتجة عن أثر جانبي معروف رغم استخدام الدواء بصورة صحيحة

الثالث/ الوفاة الناتجة عن تفاعل غير متوقع أو حساسية مفرطة أو تعارض بين عدة أدوية.

وهنا تكمن المفارقة القاسية:

فحتى حين يُستخدم الدواء وفق الأصول الطبية، يبقى احتمال الخطر قائما خصوصًا مع تعدد العلاجات وتعقيد الحالات المرضية.

إحدى أشهر الدراسات المنشورة في مجلة Journal of the American Medical Association عام 1998م قدّرت أن نحو (6.7%) من المرضى المنومين في المستشفيات يتعرضون لآثار دوائية خطيرة، وأن قرابة (0.32%) من المرضى يموتون نتيجة مباشرة لهذه الآثار.


الأخطر أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الوفيات المرتبطة بالأدوية في الولايات المتحدة ربما بلغت آنذاك أكثر من (106) آلاف وفاة سنويا ما جعل الآثار الدوائية تُصنف بين رابع إلى سادس سبب للوفاة.

أما في المملكة المتحدة فقد أظهرت دراسة شملت أكثر من (18) ألف مريض أن (6.5%) من حالات دخول المستشفيات كانت بسبب مضاعفات دوائية وأن نحو (2.3%) من هؤلاء المرضى توفوا نتيجة مباشرة للتفاعلات الدوائية.

وفي السويد توصلت دراسة أخرى إلى أن ما يقارب (3%) من مجمل الوفيات في العينة المدروسة كانت مرتبطة بتفاعلات دوائية قاتلة فيما ارتفعت النسبة داخل المستشفيات إلى (6.4%).


ورغم تطور الطب والتكنولوجيا والرقابة الدوائية فإن الدراسات الأحدث ما تزال تؤكد أن المشكلة تتفاقم عالميا خاصة مع:

تعدد الأدوية لدى كبار السن.

الاستخدام المكثف لمميعات الدم.

الإفراط في المسكنات القوية.

التداخلات المعقدة بين العقاقير المختلفة.

لكن الإنصاف العلمي يقتضي توضيح حقيقة جوهرية وهي:

أن هذه الأرقام لا تعني أن "الأدوية أخطر من الأمراض" فالأدوية الحديثة أنقذت وما تزال تنقذ ملايين الأرواح حول العالم.

غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول العلاج من منظومة مدروسة إلى تراكم عشوائي للوصفات والعقاقير، وحين يُعالج العرض بدل البحث عن أصل المرض! أو حين يُنظر إلى ارتفاع الضغط أو السكر بوصفهما مرضا مستقلا بينما قد يكونا في كثير من الأحيان انعكاسا لاختلالات أعمق في نمط الحياة أو البيئة أو التغذية أو التوتر المزمن.


إن الاستخدام الواسع للأدوية يجعل حتى النسب الصغيرة من المضاعفات تتحول إلى أرقام هائلة خصوصا عندما تقترن بسوء الاستخدام وضعف المتابعة الطبية والتداخلات غير المحسوبة.

واللافت أن عددا كبيرا من الدراسات يؤكد أن نسبة معتبرة من هذه الوفيات كان يمكن تجنبها عبر إجراءات بسيطة نسبيا مثل:

تقليل تعدد الأدوية غير الضرورية.

مراقبة الجرعات بدقة.

الانتباه للتداخلات الدوائية.

تحسين المتابعة الطبية المستمرة.

رفع وعي المرضى بخطورة الاستخدام العشوائي للعقاقير.

فإذا كانت هذه النتائج قد ظهرت في دول تمتلك أنظمة صحية متقدمة وبنية رقابية صارمة فإن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالعالم العربي:

فماذا عن مجتمعات ترتفع فيها معدلات الأمراض المزمنة

ويتوسع فيها صرف الأدوية دون رقابة كافية وتنتشر فيها ثقافة العلاج السريع والوصفة الجاهزة والصيدلاني البديل عن الطبيب؟!

وهنا لم يعد الحديث عن مجرد مشكلة طبية بل عن أزمة وعي كامل وعن نموذج صحي يركض خلف إدارة الأعراض أكثر مما يبحث عن جذور الاختلالات!


لقد أصبح الإنسان العربي محاصرا بين مرض "يتكاثر" ودواءٍ "يتضاعف" وبين منظومة صحية غالبا ما تُدار بردود الأفعال لا بالوقاية والاستباق!

ولهذا ربما لم يعد السؤال الحقيقي:

كم دواء يتناوله العربي المريض؟

بل:

كم علاجاً يتلقاه هذا العربي دون أن يقترب من الشفاء؟


ليبقي السؤال:

اكو عرب؟!