في الذكرى الثانية والثلاثين لإعلان الوحدة اليمنية، تعود الذاكرة محمّلة بمشاعر مختلطة بين الفرح الذي عاشه اليمنيون يوم الثاني والعشرين من مايو 1990م، وبين الألم العميق الذي تسرّب إلى النفوس بعد سنوات قليلة، حين تحوّل حلم الوحدة إلى ساحة صراع وحرب وتمزق.
كنت حينها طالبا في المعهد التعاوني، تخصص اقتصاد زراعي كنت مرشحا من إدارة الزراعة محافظة أبين عام 88م وأتذكر جيدًا تلك اللحظات التي عمّت فيها الفرحة قلوب الناس في الشمال والجنوب. كنا نرى في الوحدة اليمنية ميلاد وطن كبير يحتضن الجميع، وطن العدالة والمساواة والتنمية، واحتفلنا بها بطريقتنا البسيطة كطلاب نحمل أحلام المستقبل وآمال الأجيال القادمة.
لكن، ومع مرور ثلاث أو أربع سنوات فقط، بدأت ملامح الأزمة تتكشف، حتى انفجر الموقف بين شطري الوطن، الشمال والجنوب، في واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخ اليمن الحديث. وكانت الكارثة الكبرى حين اجتاحت الحرب مدينة عدن، المدينة التي كانت رمزًا للسلام والثقافة والمدنية، لتتحول بفعل الصراع إلى ساحة دمار واسعة طالت كل جميل في المحافظات الجنوبية دون استثناء.
لقد فقد اليمنيون يومها الكثير؛ فقدوا الثقة، وفقدوا الشعور بالأمان، وضاعت أحلام البسطاء الذين كانوا يعتقدون أن الوحدة ستبني دولة قوية تحترم الإنسان وتصون كرامته. وتحولت فرحة مايو إلى حزن وألم ودم وقهر، بعدما غلبت لغة القوة على لغة الشراكة، وسيطر منطق الحرب بدلًا من الحوار والتفاهم.
إن الحديث عن الوحدة لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال عابر أو شعارات تُرفع في المناسبات، بل مراجعة صادقة للتجربة بكل ما حملته من آمال وإخفاقات. فالوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، ولا تُحمى بالسلاح، وإنما تقوم على العدل والمواطنة المتساوية واحترام حقوق الجميع.
ومن هنا، يرى كثير من أبناء الجنوب أن فك الارتباط وعودة الدولتين أصبحا اليوم الحل الأمثل لإحلال السلام والاستقرار في اليمن شمالًا وجنوبًا، بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والفشل في بناء شراكة وطنية عادلة. فالقضية لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل قضية شعب يبحث عن الأمن والكرامة وحقه في تقرير مصيره وبناء مستقبله بعيدًا عن الصراعات والهيمنة.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، ما يزال اليمن يدفع ثمن الأخطاء والصراعات التي مزقت النسيج الوطني وأدخلت البلاد في دوامة طويلة من المعاناة والانقسام. ويبقى الأمل قائمًا بأن يستعيد اليمنيون وعيهم الوطني، وأن يدركوا أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقوة، بل بالاعتراف بالحقوق، واحترام إرادة الشعوب، والبحث عن حلول عادلة تضمن الأمن والاستقرار للجميع.
رحم الله كل من سقط ضحية لتلك الحروب والصراعات، وحفظ اليمن أرضًا وإنسانًا، وأعاد إلى شعبه الأمن والسلام والحياة الكريمة.