الصحافة الحديثة كذبة أنيقة.
تختبئ خلف شعار "المهنية والحياد" لتبرر نزع الإنسان من الإنسان. تدخل البيوت بالكاميرا قبل أن تطرق الباب، وتخرج بالدمعة قبل أن تسأل: هل تريد أن تُبكى على الهواء؟
جبر الخواطر ليس فضيلة زائدة في المهنة. هو فضيحتها المكشوفة. لأنه يكشف أننا نستطيع أن نكون دقيقين وقساة في آنٍ واحد، ونختار القسوة ونسميها موضوعية.
1- المهنية التي تقتل:
"نحن لا نُظهر مشاعرنا، نحن ننقل الواقع كما هو".
جملة يرددها كل صحفي فشل في أن يكون إنساناً قبل أن يكون ناقلاً.
الواقع ليس فيلم رعب. والضحية ليست مادة خام لعنوان يرفع التفاعل.
لكن غرف الأخبار حوّلت الناس إلى "قصص". قصة الطفل، قصة الأرملة، قصة اللاجئ. تنتهي الحلقة، تُغلق الفقرة، ويعود المذيع ليعلن حالة الطقس بابتسامة واحدة.
أي مهنية هذه التي تسمح لك بمغادرة المشهد دون أن يترك المشهد ندبة فيك؟
جبر الخواطر يفضح هذا الانفصام. يقول لك: إذا لم تستطع أن تحمل وجع من تحدثه، فلا تذهب إليه أصلاً. الصحافة ليست حقاً في الاقتحام، بل مسؤولية في التمثيل.
2- اللغة سلاح.. ونحن نستخدمه كخنجر
انظر إلى نشرات الأخبار: "مقتل 20 شخصاً". رقم.
"مقتل 20 مدنياً بينهم أطفال". إحصاء مفصل.
"مقتل 20 حلماً". جملة ترفضها رؤساء التحرير لأنها "غير مهنية".
منذ متى صارت الإنسانية خروجاً عن المهنية؟
منذ أن قررنا أن الحياد يعني التطهير اللغوي من أي أثر للرحمة. فصرنا نكتب بلغة تقارير الشرطة، ثم نستغرب لماذا لم يعد أحد يصدقنا.
جبر الخواطر هنا فعل مقاومة لغوية. أن تعيد للضحية اسمه، لحلمه، لغضبه، قبل أن تحوله إلى رقم في شريط عاجل.
ليس هذا تحيزاً. هذا تصحيح لسرقة ارتكبتها اللغة الباردة.
3- الصورة التي تبيع الدم:
لا أحد يجرؤ على قولها صراحة، لكنها الحقيقة: الدم يبيع.
لذلك نركض لتصوير الجثة قبل تغطيتها. نُقرب الكاميرا من الوجه المشوّه "لأن الناس من حقها أن ترى".
أي ناس؟ الناس الجالسون على الأريكة يأكلون وهم يشاهدونك؟
جبر الخواطر يضع حدوداً لا تعترف بها "الشفافية المطلقة".
الشفافية لا تعني التعري القسري. تعني أن تقول ما يجب أن يُقال دون أن تنتهك جثة، أو تسرق لحظة انهيار، أو تحول أمّاً تبكي إلى مادة ترند.
من يرفض تصوير المشهد ليس جباناً. هو الوحيد المتبقي في الغرفة الذي يتذكر أن أمامه إنساناً، لا محتوى.
4- الصحافة فقدت ثقة الناس لأنها فقدت خجلها:
الاستطلاعات واضحة: الثقة في الإعلام تنهار عالمياً.
ليس لأن الناس لا يريدون الحقيقة، بل لأنهم اكتشفوا أننا نبيعهم الحقيقة دون احترام.
الناس لا تنسى سؤالك الحاد. لكنها تنسى احترامك أضعافاً.
جبر الخواطر هو أن تختار أن تُذكر لأنك سكتّ في الوقت المناسب، لا لأنك سألت السؤال المستفز في اللحظة الخطأ.
5- إما أن نكون بشراً.. أو نُغلق المهنة:
لا يمكن أن تستمر هذه المهنة على حالها. إما أن نعيد للإنسان مكانته في المعادلة، أو سنصبح مجرد موظفي خوارزميات: ننقل، نلخص، نضخم، ونمضي.
جبر الخواطر ليس ضعفاً مهنياً. هو الحد الأدنى من الأخلاق الذي يجعل المهنة قابلة للدفاع عنها.
من لا يستطيع فعله، عليه أن يختار مهنة أخرى. المحاسبة، العلاقات العامة، أي شيء لا يتطلب النظر في عين منكسر وتكمل سؤالك كأن شيئاً لم يحدث.
الصحافة التي لا تجبر خاطراً مكسوراً، لا تستحق أن تتحدث عن كسر السلطة.
لأنك قبل أن تكون محاسباً للسلطة، أنت محاسب أمام الإنسان الذي وضع ثقته فيك دقيقة واحدة.. وخرج منها أقل إنسانية مما دخل.
فاختر:
إما أن تكون صحفياً، أو أن تكون شاهداً بلا ضمير.