بقلم: عدنان بن عفيف
تُظهر التحولات السياسية الراهنة في المنطقة أن موازين التأثير لم تعد تُقاس بحجم الموارد فقط، بل بقدرة الفاعلين على تنظيم ذواتهم وصياغة مواقفهم ضمن أطر واضحة وقابلة للتعبير. وفي هذا السياق، تبرز حضرموت بوصفها حالة لافتة، تمتلك مقومات الحضور، لكنها لا تزال تبحث عن الصيغة الأكثر فاعلية لترجمتها إلى تأثير ملموس.
لقد عانت حضرموت، في مراحل مختلفة، من إشكالية تشتت الخطاب وتعدد مراكز التعبير، وهو ما انعكس على قدرتها في التفاوض وصياغة موقعها ضمن المشهدين الإقليمي والدولي. ولم يكن هذا التشتت نتيجة غياب الوعي أو ضعف الإمكانات، بقدر ما كان انعكاسًا لغياب إطار جامع ينظم هذا التنوع ويعيد توجيهه.
وهنا تبرز إشكالية توحيد القرار: بين التعقيد والضرورة، حيث يُطرح مفهوم "القرار الواحد" في كثير من الأحيان بوصفه حلًا مباشرًا لمشكلة التباين، غير أن تحقيقه في الواقع أكثر تعقيدًا مما يبدو. فالمجتمعات المتنوعة بطبيعتها تنتج رؤى متعددة، وهو أمر طبيعي بل وصحي في بعض السياقات. غير أن التحدي لا يكمن في وجود الاختلاف، بل في كيفية إدارته.
إن توحيد القرار، في الحالة الحضرمية، لا يعني إلغاء التعدد، بل يتطلب بناء آليات مؤسسية قادرة على استيعابه وتحويله إلى قوة دفع، بدلًا من أن يكون مصدر إرباك. وهذا بدوره يقتضي توافقًا ضمنيًا على أولويات عليا، تُشكل مرجعية مشتركة عند نقاط الاختلاف. وهنا تبرز إشكالية أخرى تتمثل في جعل التراكم السياسي قيمة غير مكتملة في حضرموت.
فعلى مستوى التجربة، لا يمكن القول إن حضرموت تفتقر إلى المبادرات أو التصورات. فقد شهدت السنوات الماضية إنتاج عدد من الوثائق والمخرجات التي سعت إلى تأطير المطالب وتحديد المسارات. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تصل في كثير من الأحيان إلى مرحلة التفعيل الكامل.
وهنا تبرز معضلة مألوفة وشبه مزمنة في كثير من السياقات المشابهة، وهي تعبر عن وجود الفجوة بين إنتاج الأفكار وتنفيذها. إذ تظل الوثائق، مهما بلغت جودتها، محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى سياسات عملية، تتبناها جهات قادرة على التنفيذ، وتخضع لآليات متابعة وتقييم. غير أن البنية الاجتماعية في حضرموت تعد مورد قابل للتأثير بما تشكله وتتضمنه من امتدادات قبلية وشبكات علاقات، أحد أهم عناصر التوازن. غير أن هذا المورد يمكن أن يؤدي أدوارًا متباينة، تبعًا لكيفية توظيفه. ففي حالات التوافق، يسهم في تعزيز الاستقرار ودعم القرار، بينما قد يتحول، في حالات أخرى، إلى عامل تعقيد إضافي.
وعليه، فإن إدماج هذا البعد ضمن رؤية أوسع، تُحدد أدواره بوضوح، يمثل خطوة أساسية نحو بناء حالة أكثر تماسكًا. فالمسألة لا تتعلق بوجود هذه البنية، بل بقدرة الفاعلين الحضارم في مواقع القرار على توجيهها ضمن مشروع جامع بحسب حدود التأثير الممكن، لما يشكله حضور الكوادر الحضرمية في مواقع القرار أهمية خاصة، وفقآ وما يتيحه من فرص للتأثير في مسارات السياسات العامة.
ويبرز هنا القيادي الحضرمي المخضرم الأستاذ "سالم الخنبشي" - بحكم موقعه كمحافظ لحضرموت، وعضو في مجلس القيادة الرئاسي - كأحد النماذج التي تجمع بين الخبرة الإدارية والمعرفة بتعقيدات المستويات العليا للقرار، وغيره من الأسماء القيادية البارزة داخل وخارج حضرموت.
ومع ذلك، فإن فعالية هذا الحضور تظل مرتبطة بسياق أوسع، يتجاوز الأفراد إلى طبيعة البيئة المؤسسية التي يعملون ضمنها. فالتأثير الفردي، مهما كان مهمًا، يبقى محدودًا ما لم يندرج ضمن رؤية جماعية قادرة على توظيفه وتعظيم أثره.
وفي ضوء ما سبق، يبدو أن أحد أكثر المسارات واقعية لتعزيز حضور حضرموت يتمثل في بناء نموذج عملي في الإدارة والتنمية. فالنماذج الناجحة، بطبيعتها، تمتلك قدرة ذاتية على فرض الاعتراف، دون الحاجة إلى أدوات ضغط تقليدية.
إن تقديم تجربة تُظهر كفاءة في إدارة الموارد، وشفافية في الأداء، واستقرارًا في البيئة المحلية، من شأنه أن يعيد تعريف موقع حضرموت في محيطها، وينقلها من حالة المطالبة إلى موقع الفاعل.
وخاتمة القول يمكننا التأكيد على أن الإشكالية لا تكمن في نقص الفرص، بل في كيفية إدارتها. فحضرموت تقف اليوم أمام معادلة تتطلب قدرًا عاليًا من التنظيم والوعي، لتتمكن من تحويل إمكاناتها إلى تأثير فعلي. وبين تعدد الأصوات وإمكانية توحيدها، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ويتشكل موقعها في خارطة التحولات الجارية.