كان زمان اليمني إذا قال أنا يمني شعر بالفخر قبل أن ينطقها، وكانت القرية تغلق أبوابها وهي مطمئنة، لا خوف من سارق ولا رهبة من غادر.
كان الرجل يترك بندقيته عند باب البيت ويمشي، ويترك دكانه مفتوح وقت الصلاة ويعود ليجد المال في مكانه.
كان الفقير مستور، والغني يعرف أن للناس حق في ماله، وكانت الشهامة تُدرّس عمليًا قبل أن تُكتب في الكتب.
في الحارة الواحدة، كان الكبير أبًا للجميع، وكانت الأم إذا أرسلت طفلها إلى السوق يعود ومعه الحاجه
وكلمات الدعاء من الناس.
المدرسة كانت تصنع رجال، لا مجرد شهادات.
المعلم له هيبة القاضي، والكلمة لها وزن الذهب، والحياء كان زينة الناس .
لم تكن الحياة كاملة، نعم كان هناك تعب ومشقة احيان، لكن كانت هناك قلوب نظيفة، ونفوس تخاف الله، ومجتمع يعرف معنى (العيب).
كان اليمني يختلف في السياسه لكنه لا يخون وطنه، ويغضب اوقات لكنه لا يبيع كرامته، ويعارض لكنه لا يهدم البيت فوق رؤوس الجميع.
ثم جاءت سنوات الجحود، نعم سنوات الجحود .
سنوات أقنعونا فيها أن كل شيء سيئ، وأن الهدم والصراخ مشروع وطني، وأن معارضة كل شيء هي الطريق الوحيد للنجاة.
كبرت لغة الكراهية، وصغر صوت العقل.
صار البعض يحارب النعمة بدل أن يشكرها، ويهدم الموجود لأنه يحلم بالمستحيل، حتى خسر الموجود ولم يصل إلى الحلم.
فتحوا أبواب الفتن، ثم عجزوا عن إغلاقها.
حطموا هيبة الدولة باسم الحرية، ثم بكوا عندما غاب الأمن.
أسقطوا قيمة التعليم حتى أصبح الجاهل يتصدر، وصاحب العلم يُسخر منه.
وتبدلت الموازين.
صار الشريف يُتهم ويحارب بكل الاساليب، والانتهازي يُصفق له.
واليوم انظروا إلينا.
كم من أب يخاف على ابنه من الشارع؟
وكم من أم تبكي وتتالم لأن الأخلاق التي تربى عليها الناس أصبحت مادة للسخرية؟
صرنا نرى الابتزاز تجارة، والفضائح وسيلة للشهرة، والانحدار الأخلاقي يُسوَّق على أنه تطور .
أصبح البعض يبيع وطنه مقابل منصب، ويبيع كرامته مقابل حفنة مال، ويخون مجتمعه ثم يتحدث عن الوطنية.
لم نصل إلى هذا القاع فجأة.
بل وصلنا إليه عندما نسينا قيمة النعمة، وعندما تحولت المعارضة عند البعض من وسيلة إصلاح إلى هواية هدم وانتقام، وعندما صار الحقد السياسي أهم من مصلحة الناس.
لكن رغم كل هذا، ما زال في اليمن رجال يشبهون الزمن الجميل، وما زالت هناك أمهات يربين على القيم، وما زالت القرى تعرف معنى النخوة، وما زالت البلاد قادرة أن تنهض إذا عاد الناس إلى العقل وحفظ الجميل وشكر النعمه.