آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-10:52م

وهم «الوحدة» في جغرافيا ممزقة — لماذا يصرّون على فرض وحدة ماتت في الشمال؟

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 10:14 م
شائع هادي سالم الردفاني

كل 22 مايو يعود صدى احتفالات الوحدة اليمنية ليملأ شاشات المهجّرين ومنصات الشتات. لكن الاحتفال هذه المرة لا يواجه مجرد تكرار شعارات؛ بل تناقضًا صارخًا بين ما يُقال خلف الكاميرات وما تحكيه خارطة الواقع على الأرض.


شمال اليمن لم يعد مساحة موحدة بالمعنى السياسي أو المؤسسي. عقده انفصل إلى كانتونات ذات هياكل وقوى مسلحة ومشاريع متنافرة: الحوثيون يهيمنون على «شمال الشمال»، قوات محلية مسلحة تسيطر على أجزاء من الساحل الغربي، مناطق شرقية تخضع لتأثير جماعات الإخوان وتنظيمات متطرفة متحالفة، وتعز تعيش عزلة وصراعًا نفوذيًا. في ظل هذا التشرذم، يبدو الحديث عن «وحدة شمالية» مجرد رتوش خطابية لا تلامس واقع الشارع.


أما الجنوب، فحسمت ذاكرته الجماعية أمر الوحدة منذ حرب صيف 1994 وإعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994؛ فلم تعد الوحدة مشروعًا قوميًا في وعي كثيرين هناك، بل تجربة انتهت بانعكاسات إقصائية على مؤسسات، وإذا افترضنا جدلاً أن الجنوبيين عادوا للنقاش حول الوحدة، فمع من سيتّحدون عمليًا؟ مع مقاطع مرتبطة بتيارات مسلحة وسياسية متنافرة في الشمال؟ السؤال هنا ليس شعاريًا بل واقعي: كيف تُبنى وحدة على أرض مشتتة بين هويات ومليشيات؟


المأساة لا تكمن في موت فكرة الوحدة فحسب، بل في إنكار هذا الموت من قبل نخب ما زالت تروّج لشعارات قديمة وتوجّه السهام نحو الجنوب. إصرار البعض على فرض شعار الوحدة بينما هم عاجزون عن الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار داخل الشمال يشي بفصام سياسي — ترويج خطاب وحدة في حين أن الأرض تكشف عكسه.


البديل العملي والضروري يتطلب إنصافًا للحقيقة: ترك الجنوبيين يقررون مستقبلهم، والعمل على استقرار الجنوب كخيار يخدم الأمن الإقليمي. جنوب مستقر وقوي مؤسساتيًا يحفظ مواقع استراتيجية وممرات بحرية وثروات؛ وهو أيضًا عامل أساسي لخفض التوتر في المنطقة عوضًا عن صناعة أحقاد جديدة.


الخلاصة: قبل أن نطالب الآخرين بالوحدة، ليتحمل أصحاب شعاراتها مسؤولية جمع شتاتهم في الشمال. من عجز عن صناعة وحدة في بيته لا يملك شرعية فرضها على بيوت الآخرين.