آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-08:52م

الشيطان الإيراني يكمن في التفاصيل… وواشنطن تُجيد الضجيج!

الثلاثاء - 26 مايو 2026 - الساعة 01:35 ص
م. صالح بن سعيد المرزم

منذ بداية التصعيد الأمريكي الإيراني، والرئيس الأمريكي ترمب لا يتوقف عن إطلاق التصريحات المتناقضة، والتهديدات المتبدلة، والرسائل التي تُقال صباحاً ثم تُنسف مساءً.

مرةً يتحدث عن “القوة الساحقة”، ومرةً يفتح باب “الاتفاق التاريخي”، ومرةً يهدد بإسقاط النظام، ثم يعود ليؤكد أنه لا يريد الحرب، وكأن العالم أمام موسم جديد من الاستعراض السياسي والإعلامي، لا أمام أزمة إقليمية قد تُشعل المنطقة بأكملها.


وقد تناولنا هذا النمط الأمريكي سابقاً في عدة مقالات، أبرزها:


* “أمريكا والنظام الإيراني… لعبة المصالح الممتدة”

بتاريخ 20 مايو 2026.

* “حوار الطرشان”

بتاريخ 24 مايو 2026.


وفي تلك المقالات أشرنا بوضوح إلى أن واشنطن لا تتعامل مع الملف الإيراني بمنطق الحسم العسكري الحقيقي، بل بمنطق إدارة التوتر، واستثمار الأزمات، وإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم يخدم المصالح الكبرى، الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية.


فمن يريد فعلاً تغيير الواقع على الأرض لا يُكثر من التهديدات المسرحية، ولا يُحوّل كل خطوة إلى مؤتمر صحفي، ولا يُدير المعارك عبر التصريحات البيزنطية المتضاربة.

التاريخ يقول إن الضربات الحقيقية تأتي بصمت، أما الضجيج المتواصل فعادةً ما يكون جزءاً من لعبة الضغط والمساومة ورفع سقف التفاوض.


وفي المقابل، فإن إيران ليست دولة بسيطة أو ساذجة حتى تُدار بالعقلية الغربية التقليدية.

طهران، رغم كل ما يحيط بها من حصار وضغوط، أثبتت خلال العقود الماضية قدرة عالية على المناورة، والصبر الاستراتيجي، وتحويل أي اتفاق أو مفاوضات إلى مسار يخدم مصالحها تدريجياً، حتى وإن بدا في البداية تنازلاً أو تراجعاً.


وهنا تكمن العقدة الحقيقية.


الغرب يتحدث دائماً عن أن “الشيطان يكمن في التفاصيل”… لكن في الملف الإيراني تحديداً، يمكن القول إن “الشيطان الإيراني هو التفاصيل نفسها”!

فطهران تُجيد اللعب داخل الهوامش الصغيرة، وتُتقن استغلال الثغرات القانونية والسياسية والزمنية، وتعرف كيف تُحوّل كل بند غامض إلى مساحة نفوذ جديدة، وكل هدنة إلى فرصة لإعادة التموضع.


ولهذا نرى أن كل جولات التفاوض السابقة انتهت عملياً إلى منح إيران وقتاً إضافياً، ومساحات حركة أوسع، دون أن يتحقق ذلك “الحسم الكبير” الذي تُسوّق له الإدارات الأمريكية المتعاقبة.


أما ما يفعله ترمب اليوم، فهو استمرار لنفس المدرسة القائمة على التلويح بالقوة لتحقيق المكاسب الاقتصادية والسياسية، لا لإحداث تغيير جذري فعلي.

فالرجل يفكر بعقلية رجل الأعمال أكثر من عقلية رجل الدولة؛ يقيس الملفات بمنطق الربح والخسارة، وصفقات النفوذ، وابتزاز الخصوم والحلفاء معاً.


وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن المنطقة العربية هي من تدفع الثمن دائماً، بينما تستمر القوى الكبرى في إدارة الصراع لا إنهائه، وتحويل الأزمات إلى أدوات نفوذ طويلة الأمد.


ويبقى السؤال الأهم:

هل نحن أمام مواجهة حقيقية؟

أم أمام فصل جديد من “حوار الطرشان” الذي يعلو فيه الضجيج… بينما تُدار التفاهمات الحقيقية خلف الأبواب المغلقة؟