آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-08:52م

يوم عرفة… ميلادٌ جديد للروح ،،،

الثلاثاء - 26 مايو 2026 - الساعة 03:03 م
د. سعيد سالم الحرباجي

ي زحمة الأيام، تمرّ على الإنسان مواسمُ قد لا تتكرر في عمره إلا مرات معدودة، لكنها تحمل من النفحات ما يكفي لإحياء قلبٍ أرهقته الحياة، وإيقاظ روحٍ أثقلتها شواغل الدنيا.

ويأتي يوم عرفة في مقدمة تلك المواسم؛ يومٌ ليس كسائر الأيام، بل هو محطةٌ ربانيةٌ تتجلّى فيها معاني العبودية الخالصة، وتُراجع فيها النفوسُ دفاترها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتُصلح ما أفسدته الأيام في داخلها.


إنه اليوم الذي تتقاطر فيه الجموع إلى صعيد عرفات، مجرّدةً من زينة الدنيا وألقابها ومكاناتها، في مشهدٍ يذكّر البشرية كلها بحقيقتها الأولى:

أن الناس مهما تفاوتت أوطانهم وألوانهم وألسنتهم، فإنهم أمام الله سواء، لا يرفع أحدَهم إلا تقواه، ولا يميّزه إلا صدقُ انكساره بين يدي مولاه.

﴿الحجُّ عرفة﴾…

هكذا اختصر النبي ﷺ أعظمَ شعائر الحج في هذا الموقف الجليل؛ لأن عرفة ليست مكانًا يُزار، بل معنى يُعاش، ومدرسةٌ إيمانية تُربّي الإنسان على أعظم القيم.


عرفة درسٌ في المساواة التي نفتقدها

حين تنظر إلى الحجيج وهم بلباسٍ واحد، وهيئةٍ واحدة، لا يُعرف غنيّهم من فقيرهم، ولا مسؤولهم من عامّتهم، تدرك أن الإسلام أراد أن يهدم كلّ الحواجز المصطنعة التي صنعها البشر بينهم.

في عالمنا اليوم، حيث تتضخّم الفوارق، وتتّسع الفجوات، ويُقاس الناس بمناصبهم لا بمروءاتهم، يأتي مشهد عرفة ليقول لنا:

إن العدالة ليست شعارًا سياسيًا، بل عبادة.

وإن المساواة ليست خطابًا إعلاميًا، بل حقيقةٌ إيمانية.

كم نحن بحاجة إلى أن ننقل هذا المعنى من عرفات إلى مؤسساتنا، إلى إداراتنا، إلى حياتنا العامة، حتى يشعر الإنسان البسيط أن كرامته محفوظة، وأن حقه لا يُصادره نفوذُ أحد.


عرفةحيث تسقط الأقنعة

في هذا اليوم، لا مجال للتجمّل أمام الناس، لأن الإنسان يقف أمام من يعلم السر وأخفى.

تسقط الأقنعة التي لبسناها طويلًا: قناع القوة، وقناع الاكتفاء، وقناع البراءة من الأخطاء.

هناك فقط، يعترف القلب بتقصيره، وتنكسر النفس بين يدي خالقها، فيولد الإنسان من جديد.

وكم نحن بحاجة إلى هذه الشجاعة الأخلاقية في واقعنا اليوم…

أن يعترف المسؤول بتقصيره.

أن يعتذر المخطئ عن خطئه.

أن يراجع كلُّ واحدٍ منا نفسه قبل أن يحمّل الآخرين تبعات ما وصلنا إليه.

إن أعظم أزماتنا ليست في قلة الموارد، بل في غياب ثقافة المراجعة والاعتراف.

من حجة الوداع… رسائل لا تزال تنتظر التطبيق

في يوم عرفة، وقف النبي ﷺ يلقي على الأمة وصيته الخالدة في حجة الوداع؛ وكأنه كان يضع للبشرية ميثاقًا أخلاقيًا خالدًا.

قال ﷺ:

إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام…

فهل بقي لهذه الكلمات صداها في واقعٍ تُستباح فيه الدماء، وتُنتهك فيه الكرامات، وتُختطف فيه الحقوق؟

كم من أوطانٍ اليوم تحتاج أن تعود إلى هذه الوصية النبوية، بعد أن تحوّلت الخصومات السياسية إلى أحقاد، والخلافات الفكرية إلى فتن، والنزاعات إلى أنهارٍ من الألم.


وقال ﷺ:

«لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض.»

وكأن النبي ﷺ كان يرى بعين النبوة ما ستؤول إليه بعض الأمم حين تجعل السلاح لغةً للحوار، والعداء وسيلةً لإدارة الاختلاف.

ألسنا اليوم أحوج ما نكون إلى أن نستعيد هذه الكلمات، ونحن نرى الأوطان تُستنزف، والقلوب تتمزّق، والمجتمعات تتآكل من الداخل؟


عرفة… نداءٌ للمصالحة

أعظم ما يعلّمه يوم عرفة للناس هو أن العودة إلى الله لا تنفصل عن العودة إلى الناس بقلوبٍ سليمة.

كيف يرجو الإنسان مغفرة السماء، وهو يحمل في صدره ضغائن الأرض؟

كيف يطلب العفو من الله، وهو عاجز عن الصفح عمّن أساء إليه؟

ربما كان أجمل ما يمكن أن نفعله في هذا اليوم: أن نُسقط من قلوبنا أسماء الذين أثقلونا بالأذى، وأن نُطلقهم إلى رحمة الله، ونُحرّر أنفسنا من أسر الكراهية.

فالأحقاد لا تُرهق إلا أصحابها.

عرفة… فرصة لإنقاذ ما تبقّى

في عالمٍ يزداد اضطرابًا، وتشتد فيه الأزمات، وتضيق فيه مساحات الطمأنينة، يبقى يوم عرفة دعوةً مفتوحة للعودة إلى الأصل:

أن نُصلح ما بيننا وبين الله… فيصلح ما بيننا وبين الناس.

أن نعيد للصدق مكانته.

وللأمانة هيبتها.

وللعدل حضوره.

وللرحمة صوتها.

إن حاجتنا إلى عرفة ليست مرتبطة فقط بمن وقف على صعيدها، بل بكل قلبٍ يبحث عن بداية جديدة.


فيا يومَ عرفة......

كم من قلبٍ جاءك مثقلًا فعاد خفيفًا،

وكم من روحٍ دخلتك مكسورة فخرجت مجبورة،

وكم من دعوةٍ صعدت في سمائك فعادت إلى صاحبها رحمةً وسكينة.

اللهم اجعل لنا في هذا اليوم نصيبًا من الرحمة يُطهّر قلوبنا،

ونورًا يُبصّرنا بعيوبنا،

وشجاعةً نراجع بها أنفسنا،

ورغبةً صادقةً في إصلاح ما أفسدته الخصومات والأهواء.

اللهم اجعل عرفاتنا الداخلية عامرةً بالتوبة،

وأوطاننا عامرةً بالأمن،

وقلوبنا عامرةً بالسلام.

فما أحوج العالم اليوم… إلى شيءٍ من روح عرفة.