ليست أكثر المشاهد قهراً أن ترى رجلًا بملابس ممزقة يقف عند إشارة مرور يمد يده للناس طلباً للمال، فذلك المشهد رغم وجعه يحمل شيء من الرحمة الإنسانية لأنك أمام إنسان سحقه الفقر، لكن المشهد الأكثر إذلالًا والأشد إثارة للغضب، هو أن ترى مسؤولاً يرتدي بدلة فاخرة وربطة عنق باهظة، يدخل قصور العواصم العربية والأجنبية ليشحت باسم وطن كامل، هناك فقط تدرك أن الشحات الحقيقي ليس من يقف في الشوارع، بل من جلس على كرسي السلطة ثم باع كرامة شعبه مقابل المال والدعم والرضا السياسي.
سنوات حكم الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، ترسخت ثقافة تسول السلطة بشكل مخيف حتى أصبحت جزءاً من شكل السلطة نفسها، لم تعد الدولة تبحث عن التنمية بقدر ما أصبحت تبحث عن المساعدات، ولم يعد المسؤول يسافر ليعرض مشروع اقتصادي أو رؤية لبناء وطن، بل ليعود بحقائب الوعود والمنح والهبات والقروض، كأنه يقدم للعالم كقضية شفقة لا كبلد يمتلك حضارة وإنسان وتاريخ.
كانت السلطة تتفنن في تصدير صورة البؤس، لأنها اكتشفت مبكراً أن العالم يدفع أكثر حين يرى الانهيار والجوع والخطر، وكلما ازداد المشهد قتامة، ازدادت الأموال المتدفقة، لكن تلك الأموال لم تكن تصل إلى المواطن، بل كانت تضيع بين جيوب الفاسدين ومصالح المتنفذين، وحدها الإهانة كانت تصل كاملة إلى الشعب، شيئا فشيئا، لم يعد اليمني في نظر كثيرين ابن حضارة راسخة في التاريخ، بل أصبح مواطن قادم من بلد يعيش على الاستعطاف، صورة مهينة صنعها سياسيون احترفوا التسول الدولي حتى أتقنوه أكثر من أي شيء آخر، واليوم يدفع المواطن البسيط ثمن تلك الصورة في المطارات والسفارات ونظرات الناس وأسئلتهم الثقيلة، وكم هو مؤلم أن يشعر الإنسان أحيانا أن جواز سفره صار يحمل تهمة لا علاقة له بها.
لم يصنع هذه الصورة العامل اليمني الشريف، ولا الطالب الذي يسافر ليبني مستقبله، ولا المغترب الذي أفنى عمره في الغربة ليعيل أسرته بكرامة، من صنعها هم أولئك الذين اعتادوا الوقوف أمام العالم بوجوه متسولة وألسنة مليئة بالاستعطاف، بينما حساباتهم البنكية كانت تكبر كل يوم.
لا توجد دولة تجعل التسول السياسي جزء من هويتها كما حدث في اليمن، حتى الدول الفقيرة تحاول أن تحافظ على كبريائها الوطني، أما نحن فقد تحولت السلطة لدينا إلى منصة استجداء مفتوحة، مسؤولون يتنقلون من عاصمة إلى أخرى وكأنهم موظفو جمعيات خيرية، لا ممثلو دولة ذات سيادة، كانوا يطلبون المال باسم الحرب، وباسم الفقر، وباسم الاستقرار، وباسم كل شيء إلا باسم الكرامة، والمؤلم أكثر أن هذه الثقافة لم تكتف بتشويه صورة اليمن في الخارج، بل بدأت تنهش روح المجتمع نفسه، حين يرى المواطن أن قياداته كلها تعيش على مد اليد، تتحول المنحة إلى بديل عن المشروع، والاعتماد على الآخرين إلى أسلوب حياة، وهنا لا تسقط السياسة وحدها، بل تسقط معها روح الأمة.
والمفارقة التي تثير الغثيان أن كثيراً من هؤلاء كانوا يتحدثون عن الوطنية والسيادة والكرامة في خطاباتهم الرنانة، بينما كانت أيديهم ممدودة للخارج طوال الوقت أي وطنية هذه التي تعيش على التسول؟!! وأي سيادة تبقى حين يصبح القرار الوطني مربوط بحجم الدعم القادم من الخارج؟ لقد تحول بعض السياسيين إلى سماسرة بؤس، يبيعون معاناة اليمن للعالم مقابل بقائهم في المشهد.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، مهما كانت قاسية، هي أن اليمن لم يكن يوماً شعباً بلا كرامة، هذا البلد علم العالم التجارة، وشيد الحضارات، وخرج منه رجال بنوا أنفسهم في أصعب الظروف داخل كل بقاع الأرض، المشكلة لم تكن يوماً في الإنسان اليمني، بل في طبقة سياسية أدمنت إهانة الوطن حتى فقدت القدرة على رؤية قبح ما تفعله، فالقهر الحقيقي ليس في الفقر وحده، بل في أن تصبح كرامة شعب بأكمله مادة للمساومة.
رغم كل ما حدث، ما زال اليمني قادراً على استعادة صورته يوم يقرر أن يتخلص من عقلية التسول السياسي، وأن يبني دولة تحترم نفسها قبل أن تطالب العالم باحترامها، حينها فقط، سيعود اليمني إلى مطارات العالم مرفوع الرأس، لا يحمل صورة المتسول التي صنعها الفاسدون، بل صورة الإنسان الذي ينتمي إلى أرضٍ علمت التاريخ معنى الحضارة والكبرياء، الأوطان الحقيقية لا تموت مهما أرهقها الفاسدون.