آخر تحديث :الأربعاء-10 يونيو 2026-10:15ص

ما بعد الرثاء ؛ اسئلة الوطن الصعبة

السبت - 30 مايو 2026 - الساعة 08:44 ص
نجيب الكمالي


في الاوطان المتعبة لا تمر وفاة القادة كخبر عابر بل تتحول الى لحظة تعود فيها الذاكرة الجماعية لفتح ملفاتها القديمة واسئلتها المؤجلة

بعد وفاة الرئيس اليمني الاسبق عبدربه منصور هادي بدا المشهد اليمني وكأنه يقف مرة اخرى امام مرآة السنوات الثقيلة بين من يراه مسؤولا عن الانهيار ومن يراه ضحية لمرحلة كانت اعقد من قدرة اي فرد على احتوائها

وفي خضم هذا الجدل استوقفني مقال الاستاذ حمود الصوفي الذي بدا مختلفا عن كثير من الكتابات التي ظهرت عقب الوفاة فلم يكن نصا غاضبا ولا خطابا متشنجا بل محاولة هادئة للاقتراب من الحقيقة بعيدا عن الاحكام الجاهزة

ما يميز اسلوب حمود الصوفي انه لا يكتب بعين الخصومة ولا بعاطفة التقديس بل يحاول النظر الى الاحداث من زاوية اوسع واكثر انصافا ولهذا جاء مقاله اقرب الى قراءة فكرية في ازمة الدولة اليمنية منه الى مجرد مقال رثائي عابر

لقد طرح سؤالا ما يزال اليمنيون يتجنبون مواجهته حتى اليوم هل كانت ازمة اليمن ازمة رجل واحد؟ ام ازمة منظومة كاملة؟

سؤال : يبدو بسيطا لكنه يفتح ابوابا واسعة من المراجعة المؤلمة

اتذكر نقاشا قديما مع صديق مثقف كان يصف الرئيس هادي بانه الرجل الضعيف الذي قاد البلاد الى الهاوية فسألته بهدوء من الذي جاء به ؟ومن الذي احاطه بتوازنات مشروطة؟ ومن الذي دعمه حين ثم تخلى عنه؟ عندما تبدلت المصالح ومن الذي كان يعطل اي محاولة لبناء دولة مستقرة

صمت الرجل !وكأن الاسئلة لم تكن تحتاج جوابا بقدر ما تحتاج الى شجاعة الاعتراف

وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية فنحن غالبا نميل الى تبسيط التاريخ حين يعجز وعينا عن تحمل تعقيداته فنبحث عن شماعة نعلق عليها كل الاخطاء ثم نغادر المشهد وكأننا خارج الحكاية

لكن الحقيقة التي اشار اليها مقال الاستاذ حمود الصوفي بهدوئه اللافت ان الانهيار لم يكن قرارا فرديا بل مسارا طويلا من الصمت والتواطؤ والانقسامات والمصالح التي تقدمت على فكرة الدولة

كانت هناك قوى لا ترى في الوطن مشروعا بقدر ما تراه مساحة نفوذ واخرى تجيد تغيير مواقفها وفق اتجاه الريح وقوى اختارت الوقوف في المنطقة الرمادية حين كان الوطن يحتاج الى الوضوح

وفي مرحلة لاحقة ومع تعقيد المشهد السياسي وتداخل القوى قام الرئيس عبدربه منصور هادي بنقل السلطة الى مجلس القيادة الرئاسي في ابريل 2022 كخطوة لاعادة ترتيب المشهد السياسي وتوحيد الجهود في اطار توافق جديد داخل الشرعيه يهدف الى ادارة الدولة ومواجهة الانقلاب واستعادة مؤسساتها وهو ما يعكس حجم التشابك الذي وصلت اليه الازمة اليمنية اكثر مما يعكس رغبة فردية في الاحتفاظ بالسلطة او التخلي عنها

نعم لم تكن التجربة خالية من الاخطاء ولم يكن الرئيس الراحل بعيدا عن النقد لكن اختزال كل ما حدث في شخص واحد ليس انصافا للتاريخ بل تبسيطا مخل بحقيقة ما جرى

فالمشكلة لم تكن في رجل جلس على كرسي الرئاسة بقدر ما كانت في بنية سياسية اعتادت ادارة الازمات بدلا من حلها وفي نخب اتقنت توزيع الاتهامات اكثر من اتقانها بناء الدولة

ومن هنا يصبح السؤال اكثر عمقا هل كنا جميعا نشارك في صناعة التاريخ ام كنا مجرد معلقين عليه؟@@٠

اخشى ان الاجابة ما تزال معلقة بين الاثنين

فمن السهل ان نرثي الرجال او نحاكمهم لكن الاصعب ان نعترف بان الجميع بدرجات متفاوتة كان جزءا من هذا المشهد بالصمت او بالمشاركة او بالانسحاب او بسوء التقدير

والخلاصة التي يتركها هذا التأمل ان الاوطان لا تسقط بقرار فرد ولا تنهض ببطولة فرد بل تتشكل مصائرها عبر تراكم طويل من الافعال الصغيرة والخيارات المؤجلة والاخطاء التي لا تجد من يراجعها

واذا كان من درس يبقى فهو ان نتوقف عن البحث عن الشماعات وان نمتلك شجاعة مراجعة انفسنا قبل محاكمة الاخرين

وهكذا يبقى الوطن اكبر من الجميع واعمق من ان يختزل في رواية واحدة واصدق من ان يدار بمنطق الاتهام وحده