آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-08:06م

عدن شريك طبيعي في استقرار المنطقة وصناعة المستقبل

السبت - 30 مايو 2026 - الساعة 03:28 م
المحامي / جسار مكاوي


منشور يكتبه المحامي/ جسار مكاوي ـ عدن .

أبناء عدن ليسوا جزءا من المرحلة بل يجب أن تكون المرحلة نفسها معبرة عن أبناء عدن وإرادتهم وحضورهم في إدارة شؤون مدينتهم ومجتمعهم المحلي. فهذه المدينة لم تكن يوما مجرد ميناء أو مساحة جغرافية على خارطة المنطقة بل كانت على الدوام مركزا للحياة المدنية والسياسية والثقافية والإعلامية ومقصدا للتجارة والفكر والتنوع الإنساني .

لقد خاض أبناء عدن مسيرة طويلة من الكفاح والعمل والبناء و أسهموا في صناعة تجربة مدنية متقدمة قياسا بظروف محيطهم الإقليمي..وبرزت من المدينة كفاءات وطنية وإدارية وقانونية واقتصادية أثبتت قدرتها على إدارة المؤسسات العامة والعمل في مختلف المجالات داخل الوطن وخارجه..وعرفت عدن حكومات وإدارات متعاقبة قادها أبناؤها وكان من أبرز رموزها زين باهارون وعبدالقوي مكاوي آخر رئيس وزراء لولاية عدن قبل الاستقلال إلى جانب شخصيات سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة أسهمت في بناء مؤسسات الدولة والحياة العامة. كما لعبت الأسر العدنية دورا وطنيا واجتماعيا بارزا في ترسيخ قيم العمل والإدارة والتعليم والانفتاح..ولم يكن حضور عدن مقتصرا على السياسة والإدارة فحسب بل كانت منارة للصحافة والإعلام والفكر الحر في الجزيرة العربية والخليج العربي..فمن أرضها صدرت الصحف و المجلات و تأسست المنابر الإعلامية التي أسهمت في تشكيل الوعي العام و نقل الأفكار و توسيع دائرة الحوار و المعرفة..كما احتضنت المدينة المدارس الفكرية و الثقافية التي صنعت أجيالا من الصحافيين و الكتاب و المثقفين الذين امتد أثرهم إلى مختلف أرجاء المنطقة .

كما كانت عدن سباقة في تأسيس النوادي والجمعيات الثقافية والاجتماعية والرياضية والمهنية التي شكلت مدارس حقيقية لبناء الإنسان و تعزيز قيم المشاركة و العمل الجماعي و التعايش . ومن خلال هذه المؤسسات ترسخت الهوية المدنية للمدينة و أصبحت عدن نموذجا للتنوع و التسامح و الانفتاح .

ولم تكن عدن بمنأى عن التحولات السياسية و الفكرية التي شهدها العالم العربي خلال القرن الماضي بل تأثرت بالمد القومي العربي كما تأثرت به معظم العواصم و المدن العربية..وكان ذلك جزءا من سياق تاريخي واسع ارتبط بحركات التحرر الوطني و مقاومة الاستعمار في مختلف أنحاء العالم..غير أن التحولات السياسية اللاحقة أدت إلى إقصاء كثير من الشخصيات و الأسر و المكونات الاجتماعية و السياسية التي أسهمت في بناء عدن و تاريخها. و تم التعامل مع مراحل كاملة من تاريخ المدينة بمنطق الإلغاء والتخوين بدلا من القراءة المنصفة التي تميز بين الأخطاء والإنجازات وبين الأشخاص والظروف التي عاشوا فيها .

واليوم أصبح من الضروري أن يكون لأبناء عدن من الجيل الجديد دور الشريك الاستراتيجي و السياسي المعتد به في صياغة مستقبل مدينتهم بعيدا عن استدعاء صراعات الماضي أو إعادة إنتاجها..المطلوب اليوم ليس إعادة تموضع تاريخي بل بناء ركيزة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية حقيقية وفاعلة تستند إلى الكفاءة والخبرة والانتماء والمسؤولية..وفي الوقت الذي تقود فيه المملكة العربية السعودية إلى جانب جمهورية مصر العربية جهودا مهمة في تعزيز الأمن القومي العربي وترسيخ الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح العربية المشتركة فإن عدن بما تمثله من موقع استراتيجي وتاريخ مدني عريق قادرة على أن تكون شريكا إيجابيا في هذه الرؤية القائمة على الاستقرار والتنمية والتكامل..إن أبناء عدن وعدن ببيوتها وأحيائها وجيلها الحاضر والقادم ومجتمعها الأهلي السلمي واسع الطيف والتنوع يمدون أيديهم بصدق إلى أشقائهم في الوطن العربي وإلى كل القوى الساعية إلى الأمن والاستقرار والتنمية. فهم لا يحملون مشروع إقصاء ولا يبحثون عن امتيازات خاصة بل يتطلعون إلى شراكة عادلة تعترف بتاريخهم ودورهم وحقهم المشروع في الإسهام بصناعة مستقبل مدينتهم .

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى السياسيين و صناع القرار في المنطقة العربية هي أن الاستثمار الحقيقي في عدن يبدأ بالاستثمار في الإنسان العدني وتمكينه من أداء دوره الطبيعي في إدارة مدينته ومؤسساتها..عدن التي أنجبت رجال الدولة و القانون و الصحافة والإعلام والثقافة والاقتصاد والعمل الأهلي قادرة اليوم أيضا على أن تكون جسرا للتعاون العربي و نموذجا للاستقرار والتنمية والشراكة..إن مستقبل عدن لا يصنع لأبنائها بل يصنع معهم ومن خلالهم..وهذه ليست دعوة إلى الماضي بل دعوة إلى المستقبل..مستقبل يقوم على الشراكة والاعتدال والتنمية واحترام التاريخ والإنسان .

المحامي/ جسار مكاوي ـ عدن .