آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-08:06م

هادي… وما أحد تبع هداه

السبت - 30 مايو 2026 - الساعة 04:24 م
نصر العيسائي


كتب : نصر العيسائي


حين يُذكر الرئيس عبدربه منصور هادي، فإن كثيرين يتحدثون عن الرجل بوصفه رئيساً لمرحلة الانهيار، لكن القليل فقط من يتوقفون أمام سؤالٍ أكثر أهمية: هل كان هادي وحده مسؤولاً عن سقوط جهة اليمن، أم أن الجميع تخلّى عنه وتركه يواجه العاصفة منفرداً؟




الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن هادي لم يرث دولة مستقرة، بل ورث بلداً مثقلاً بالتناقضات، ومؤسساتٍ منهكة، وجيشاً مخترقاً، ونخباً سياسية لا تؤمن بالشراكة إلا بقدر ما تخدم مصالحها الضيقة. جاء إلى الحكم في لحظةٍ كانت جهة اليمن فيها تقف على حافة الانفجار، وكان المطلوب منه أن يمنع الانهيار الكامل بأدواتٍ شبه معدومة، وفي بيئةٍ تتنازعها الولاءات المناطقية والحزبية والعسكرية. لقد حاول الرجل، منذ البداية، أن يدفع نحو انتقالٍ سياسي سلمي، وأن يجنب الجغرافيا والإنسان فيها الحرب، وأن يفتح الباب أمام صيغةٍ توافقية تستوعب الجميع. دعم الحوار الوطني، وراهن على السياسة بدل الانتقام، وفضّل التهدئة على المغامرة، لكن القوى الداخلية لم تكن تريد دولةً مستقرة بقدر ما كانت تبحث عن توسيع نفوذها وتقاسم الغنائم.




كان هادي يدعو إلى بناء دولة، بينما كانت أطراف كثيرة تبني مراكز قوى خاصة بها. وكان يتحدث عن الشرعية والمؤسسات، بينما كان آخرون يؤمنون بمنطق السلاح والهيمنة وفرض الأمر الواقع. ولهذا لم تكن أزمة هادي الحقيقية في شخصه، بل في أن كثيراً ممن وقفوا حوله لم يكونوا يؤمنون فعلياً بالمشروع الذي يمثله. بعضهم أراد استخدام شرعيته غطاءً سياسياً، وآخرون تعاملوا معه كمرحلة مؤقتة بانتظار لحظة الانقضاض، بينما انشغل كثير من الحلفاء بصراعاتهم الجانبية ومصالحهم الضيقة، حتى تآكل معسكر الشرعية من الداخل قبل أن يُهزم من الخارج.




حتى القوى التي رفعت شعار الدفاع عن الدولة، كانت في أحيان كثيرة تعمل ضد فكرة الدولة نفسها. تعددت الجيوش، وتضاربت الولاءات، وتحولت المعركة من معركة استعادة وطن إلى معارك نفوذ ومكاسب ومناطق. وفي خضم ذلك كله، بقي هادي يتحمل وحده مسؤولية مشهدٍ شارك الجميع في صناعته.لقد كان الرجل أقرب إلى رئيسٍ تُسحب من تحت قدميه أدوات الحكم واحدةً تلو الأخرى، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يُحاسب على النتائج كاملة.




ومن الإنصاف القول إن هادي لم يكن زعيماً شعبوياً، ولا قائداً عسكرياً صاخباً، بل كان رجل تسويات وسياسة هادئة، وربما كانت تلك طبيعته غير المناسبة لزمن الفوضى والحروب. لكن هدوءه فُسّر ضعفاً، وصبره اعتُبر تردداً، بينما الحقيقة أن الرجل كان يحاول إبقاء الحد الأدنى من التوازن في جغرافيا تتجه بسرعة نحو التدمير الكامل.




إن أكبر مأساة واجهت هادي لم تكن في خصومه فقط، بل في أولئك الذين ادعوا السير معه ثم خذلوه عند أول اختبار. فقد أراد قيادة مشروع دولة، بينما كان كثير من شركائه يقودون مشاريع صغيرة داخل الدولة نفسها. ولهذا، حين يقول اليمنيون اليوم: “هادي… ما أحد تبع هداه”، فهم لا يختصرون سيرة رجل بقدر ما يصفون مأساة وطنٍ لم تتفق قواه على إنقاذه، حتى وهو يمتلك فرصة أخيرة للنجاة.




رحل هادي، لكن السؤال سيظل معلقاً في ذاكرة الجميع : ماذا لو أن القوى السياسية والعسكرية التي ادعت دعم الشرعية صدقت فعلاً مع مشروع الدولة؟ وماذا لو أن الجميع قدّم جهة اليمن على الحسابات الضيقة ربما كان التاريخ سيكتب فصلاً مختلفاً تماماً.