آخر تحديث :السبت-30 مايو 2026-08:06م

رئيس في زمن التشظي

السبت - 30 مايو 2026 - الساعة 06:00 م
عبدالقوي العويني


لم يكن الطريق إلى القصر سهلا، ولا إلى عدن أو الرياض آمنا ومستقيما؛ مع ذلك ظل الرئيس عبدربه منصور هادي حاضرا بصدقه وحرصه على الوحدة، وولائه لليمن أولا. بوصفه رجل دولة فضل لغة التهدئة وإدارة التباينات على منطق الصدام، وسعى إلى فتح ممرات آمنة وسط اصطفافات حادة.

غير أن منطق الصراع في لحظات كثيرة يبدو أعلى صوتا من محاولات التهدئة، وربما أقسى وقعا من مساعي الجمع والاحتواء؛ وهو ما جعل مسيرته محكومة بتوازنات معقدة أكثر من كونها مسارا مستقرا أو مباشرا.

في بدايات عهده، أبدى اهتماما واضحا بالاقتصاد باعتباره أحد مفاتيح الخروج من الأزمات، وقد ظهر ذلك في خطاباته وتصريحاته التي كانت تحظى بمتابعة واسعة حينها..

من هذا المنطلق، كنا في مجلة الاستثمار، ومنذ تأسيسها عام 2004 وحتى الآن، نعتمد سياسة تحريرية تقوم على تخصيص افتتاحية يكتبها في كل عدد أحد رجال الدولة أو القطاع الخاص. وضمن إصداراتنا خلال فترة حكم الرئيس هادي صدرت إفتتاحيتان للمجلة بقلم الرئيس هادي، حملتا رسائل دعم للقطاع الخاص وتحفيز بيئة الأعمال، بما عكس محاولة مبكرة لربط الاقتصاد بمسار الاستقرار وسط واقع سياسي متوتر.

وفي هذا الاتجاه رعى الرئيس هادي النسخة الرابعة من جائزة الاستثمار في 14 فبراير 2014، لتكريم عدد من الشركات اليمنية ذات الأداء المتميز، في خطوة هدفت إلى تعزيز الثقة بالقطاع الخاص، وتحفيز بيئة الأعمال..

بعد ذلك، التقى الرئيس برجال الأعمال والشركات الفائزة، إلى جانب قيادة الاتحاد العام للغرف التجارية، حيث أكد أن الاستثمار والتنمية يمثلان مدخلا أساسيا لبناء الدولة ومواجهة التحديات. كما أشار إلى أن النظام الاتحادي يأتي ضمن رؤية لإعادة تنظيم الدولة وتوزيع الصلاحيات وفق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، في إطار محاولة للانتقال من مركزية الدولة إلى نموذج أكثر توازنا في إدارة الأقاليم.

وفي مرحلة سابقة من عمله كنائب لرئيس الجمهورية، ارتبط حضوره التنفيذي في ذهني، كصحفي يعمل في الإعلام النفطي بوزارة النفط والمعادن، حيث كان التعامل مع أزمات المشتقات النفطية والكهرباء والطاقة يستدعي تحركا مباشرا وسريعا، فكلما برزت أزمة في الخدمات، كان يتجه إلى الوزارة في اليوم التالي لمتابعة التفاصيل ميدانيا، في محاولة لضبط سلاسل الإمداد ومعالجة الاختناقات في المحافظات وحتى في المناطق البعيدة.

كانت خلف هذا النهج قناعة واضحة بأن تراجع الخدمات الأساسية هو المدخل الأخطر للفوضى، وأن استقرار الدولة يبدأ من ضمان انتظام الطاقة والمياه والمشتقات النفطية، وهو ما يعكس حضورا تنفيذيا مباشرا لا يكتفي بالإدارة عن بعد، بل يتعامل مع التفاصيل باعتبارها جزءا من مسؤولية الدولة اليومية.

وفي خضمّ هذا التحول، لم يكن المشهد مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تشكيل تدريجية لمعادلات القوة داخل الدولة، بين مشروع يسعى لإعادة البناء، وواقع تتسارع فيه مراكز النفوذ وتتشابك حسابات الداخل بالخارج، بما جعل القرار السياسي محاصرا بقيود متزايدة. ظل الرئيس يتحرك داخل مساحة ضيقة من الخيارات، بينما كانت موازين القوى تتغير بسرعة.

وبينما كان يسعى للحفاظ على كيان الدولة، كان كثيرون ممن حوله يترقبون لحظة التحول، وقد أعدوا خياراتهم الخاصة، تاركين الدولة في مواجهة مفتوحة مع العاصفة.

كان عبدربه منصور هادي بالنسبة لكثير من اليمنيين رجلا حمل هم الدولة في مرحلة شديدة الاضطراب، ومد يده إلى مختلف الأطراف شمالا وجنوبا، متبنيا مقاربة تميل إلى التهدئة واحتواء التباينات.

لكن هذه المقاربة نفسها جعلت حسابات السياسة أكثر تعقيدا، وأدت تدريجيا إلى إعادة تشكيل موازين القوى بصورة أبعدته عن مركز القرار، لصالح تعدد مراكز النفوذ وتداخلها.


وبرحيل هادي لا تنتهي الحكاية بل تبدأ من جديد، فاليمن أمام تحولات أكبر وأكثر تعقيدا مما مضى، غير أن الإيمان بقدرة هذا البلد على النهوض يظل حاضرا مهما تراكمت الأزمات.