ترجل الرئيس السابق المشير الركن عبدربه منصور هادي عن صهوة الحياة بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء الوطني والعمل العسكري والسياسي، تاركاً خلفه إرثاً من المواقف والتجارب التي ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ اليمن الحديث.
وبرحيله، لا تفقد محافظة أبين أحد أبرز أبنائها فحسب، بل تفقد اليمن قامة وطنية لعبت أدواراً بارزة في مراحل مختلفة من تاريخ الدولة اليمنية، وارتبط اسمها بقضايا الوطن الكبرى والتحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد على مدى عقود.
وُلد الرئيس الراحل في مديرية الوضيع بمحافظة أبين، تلك المحافظة العريقة التي كانت على الدوام منجماً للقيادات الوطنية والعسكرية والسياسية، وأنجبت على مر السنين رؤساء وقادة ومناضلين كان لهم دور بارز في صناعة الأحداث ورسم ملامح التاريخ اليمني الحديث، ومن بين ربوعها انطلق هادي حاملاً طموحه الوطني، ليشق طريقه في ميادين الخدمة العسكرية والعمل العام حتى أصبح واحداً من أبرز الشخصيات السياسية في اليمن، متقلداً أعلى المناصب في الدولة ومؤدياً أدواراً محورية في مراحل مفصلية من تاريخ الوطن.
وعلى امتداد مسيرته، ظل الرئيس الراحل حاضراً في المشهد الوطني، شاهداً على أحداث كبرى ومشاركاً في صناعة الكثير من تحولاتها، حيث أسهم في خدمة الوطن من مواقع متعددة، وتحمل مسؤوليات جساماً في ظروف كانت تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والصبر والحنكة السياسية.
وعندما واجهت اليمن واحدة من أعقد الأزمات في تاريخها المعاصر، والمتمثلة في انقلاب مليشيات الحوثي على الدولة ومؤسساتها الشرعية وسيطرتها على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات بالقوة، وجد الرئيس هادي نفسه أمام تحديات استثنائية لم تشهد البلاد مثيلاً لها من قبل، وبرغم صعوبة المرحلة وتشابك أزماتها السياسية والعسكرية والأمنية، تمسك بخيار الدولة ومؤسساتها، وظل مؤمناً بأن الحفاظ على الشرعية الدستورية والنظام الجمهوري يمثلان الضمانة الحقيقية لمستقبل اليمن وأمنه واستقراره، رافضاً الانقلاب ومتمسكاً بحق الشعب اليمني في استعادة دولته ومؤسساته الشرعية.
لقد كان الرئيس الراحل من القادة الذين اختبرتهم الأزمات أكثر مما صنعتهم الظروف العادية، فقاد البلاد خلال سنوات مضطربة حفلت بالتحديات السياسية والأمنية والعسكرية، وظل ثابتاً في مواقفه الداعمة للحفاظ على مؤسسات الدولة، وساعياً إلى تجنيب اليمن مزيداً من الصراعات والانقسامات، مؤمناً بأن مصلحة الوطن يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
ورغم اختلاف الآراء حول التجارب السياسية، تبقى الشخصيات الوطنية الكبيرة جزءاً من ذاكرة الشعوب وتاريخها، ويظل ما قدمته للوطن محل تقدير وإنصاف من قبل الأجيال، وقد كان عبدربه منصور هادي واحداً من تلك الشخصيات التي حملت مسؤولية وطن بأكمله في مرحلة استثنائية، وواجهت ظروفاً بالغة التعقيد بإرادة وصبر وإحساس عالٍ بالمسؤولية الوطنية.
لقد عرفه أبناء أبين قبل غيرهم رجلاً متواضعاً قريباً من الناس، حريصاً على التواصل مع أبناء محافظته وأبناء الوطن عموماً، وظلت أبين حاضرة في وجدانه كما ظل هو محل فخر واعتزاز لدى الكثير من أبنائها الذين رأوا فيه نموذجاً لابن المحافظة الذي وصل إلى أعلى المناصب في الدولة دون أن يتخلى عن بساطته وقربه من مجتمعه.
إن حملات التشفي والسخرية التي رافقت نبأ وفاة الرئيس السابق المشير الركن عبدربه منصور هادي لا تسيء إلى الراحل بقدر ما تكشف مستوى الانحدار الأخلاقي لدى أصحابها. فالموت حق على الجميع، واحترام الراحلين من شيم الرجال وأخلاق المجتمعات الأصيلة، وإذا كان الاختلاف السياسي أمراً مشروعاً، فإن الشماتة بالموت وتحقير من رحلوا عن الدنيا تبقى سلوكاً مرفوضاً دينياً وأخلاقياً ووطنياً، لأن الأمم الراقية تحفظ للناس مكانتهم وتتعامل مع الموت باعتباره مناسبة للعبرة والدعاء لا للتشفي والإساءة.
واليوم، وبينما تودع اليمن أحد رؤسائها وقادتها البارزين، فإنها تستحضر صفحات طويلة من تاريخ رجل ارتبط اسمه بمحطات وطنية مهمة، وستبقى سيرته حاضرة في الذاكرة الوطنية بوصفه أحد رجال الدولة الذين تحملوا أعباء المسؤولية في أصعب المنعطفات التي مرت بها البلاد.
رحم الله المشير الركن عبدربه منصور هادي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان