آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-01:17ص

ليس دفاعًا عن الدكتور عبدالله العليمي… بل دفاعًا عن الصحافة

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 09:09 م
عوض عميران


من هذا المنطلق قرأت مقال الدكتور عبدالله العليمي في رثاء الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي.

ولكي يكون الحديث منصفًا، فإن قيمة المقال لا تنبع من كونه عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي فحسب، ولا من كونه شخصية سياسية معروفة، بل من حقيقة أكثر أهمية: أن الرجل كان أحد أقرب الأشخاص إلى الرئيس الراحل خلال أخطر المراحل التي مرت بها الدولة اليمنية في تاريخها الحديث.

فالدكتور عبدالله العليمي لم يكن معلقًا سياسيًا يقرأ الأحداث من الخارج، ولم يكن كاتبًا يتابع الوقائع عبر نشرات الأخبار، بل كان مديرًا لمكتب الرئيس، ومرافقًا له في سنوات الحرب والانقلاب واللجوء السياسي والتدخلات الإقليمية والتحولات الكبرى التي أعادت تشكيل المشهد اليمني برمته.

لقد عاش الرجل إلى جوار الرئيس هادي خلال أكثر المراحل تعقيدًا وغموضًا، وشهد عن قرب لحظات اتخاذ القرار، وساعات القلق، وأوقات الانكسار، ومواسم الأمل، والضغوط التي أحاطت بالرئاسة والدولة والشرعية.

ولهذا فإن المقال الذي كتبه لم يكن مجرد رثاء عاطفي لرجل رحل، بل شهادة سياسية وتاريخية وإنسانية من أحد أهم شهود تلك المرحلة.

وهنا يصبح السؤال الذي تتجنبه بعض المؤسسات الإعلامية أكثر إلحاحًا: على أي أساس يُعاد تصنيف النصوص داخلها؟ وبأي معيار تُخفَّض قيمة شهادة بهذا الوزن إلى “مساهمة رأي” عابرة؟

فالمسألة ليست اختلافًا في وجهات النظر، بل اختلال واضح في ترتيب القيمة التحريرية للمادة. إذ كيف يُعامل نص صادر عن شخص قضى «سبع سنوات كاملة، وما يقارب 2750 يوماً من المعايشة اليومية المباشرة والقريبة» داخل مركز القرار، بالوزن نفسه الذي تُعامل به مقالات تحليلية يكتبها مراقبون من الخارج لا يمتلكون حتى جزءًا يسيرًا من هذا القرب من الحدث؟

الأمر لا يتوقف عند السيرة، بل يتجاوزه إلى مضمون النص نفسه. فالعليمي لا يكتب بوصفه راوي ذكريات، بل يقرّ صراحة بأن «كثيراً من الأحداث والتفاصيل والقرارات والمنعطفات لا يزال مجهولاً للرأي العام حتى اليوم»، ويضيف أن الوقت سيأتي «لتُروى فيه الوقائع كما حدثت». وهذا ليس أسلوب رثاء، بل إعلان ضمني بوجود مادة تاريخية غير منشورة بعد، وشهادة من داخل غرفة الأحداث لا من خارجها.

ومع ذلك، يُدفع بهذا النص إلى مساحة “الساحة الحرة”، وكأنه رأي شخصي يمكن استبداله أو تجاهله أو مساواته بأي انطباع عابر.

وهنا مكمن الخلل الذي لا يمكن تبريره بمصطلحات تقنية مثل “سياسة التحرير”. فحين تفشل المؤسسة الإعلامية في التمييز بين رأي المعلق وشهادة الفاعل، فهي لا ترتكب خطأ تصنيفيًا بسيطًا، بل تُفرغ مفهوم الصحافة من أحد أهم وظائفه: ترتيب المعرفة بحسب قيمتها لا بحسب المزاج أو القالب الإداري.

المؤسسات الإعلامية لا تنهار عادة بسبب ما تنشره، بل بسبب الطريقة التي تُسوّي بها بين غير المتكافئ. وعندما يصبح الشاهد على لحظة تاريخية في مرتبة واحدة مع المعلّق عليها، فإننا لا نكون أمام “تنوع في الآراء”، بل أمام تسييل كامل لفكرة القيمة الصحفية نفسها.

قد يختلف البعض مع تقييم العليمي للرئيس هادي، وقد يرفض آخرون بعض استنتاجاته أو قراءاته، وهذا حق مشروع لا جدال فيه.

لكن المشكلة لم تعد هنا. المشكلة في مؤسسة ترى أن كل ما يمر عبرها قابل للتسوية التصنيفية، حتى لو كان شهادة من داخل قلب الحدث. وهذا بالضبط ما يجعل السؤال ليس عن العليمي… بل عن الصحافة نفسها.