آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-01:17ص

ودّع اليمنيون هادي، وجددوا البيعة لمشروع اليمن الاتحادي

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 09:19 م
عبدالعزيز الحمزة


ليست كل الجنازات سواء، وليست كل مراسم العزاء مجرد وداع لشخص غادر الحياة. فهناك رجال يتحول رحيلهم إلى استفتاء شعبي صامت، وإلى لحظة سياسية تكشف ما عجزت عنه الخطب والبيانات واستطلاعات الرأي. وهذا ما حدث تماماً مع الرئيس المشير عبدربه منصور هادي.


فالرجل الذي اصطف اليمنيون حوله يوم انتخابه رئيساً توافقياً عام ٢٠١٢م، عاد اليمنيون ليصطفوا حوله مرة أخرى عند رحيله في عام ٢٠٢٦م. وبين الاصطفافين تمتد حكاية وطن بأكمله، وحلم دولة، ومشروع سياسي ما زال اليمنيون يرونه الطريق الأكثر أمناً للخروج من دوامة الحرب والانقسام.

لم يكن طوفان العزاء الذي عمّ اليمن من أقصاه إلى أقصاه حدثاً عابراً أو مجرد تعبير عن الحزن الإنساني على وفاة رئيس سابق.

لقد كان رسالة سياسية ووطنية بامتياز. رسالة تقول إن الرجل الذي غاب جسداً ما زال حاضراً في وجدان شعبه، وإن المشروع الذي حمله ما زال حياً رغم كل ما تعرض له من استهداف وتشويه وحروب.

لقد ارتبط اسم عبدربه منصور هادي في الوعي الوطني اليمني بأكبر مشروع سياسي توافقي عرفته البلاد في تاريخها الحديث، مشروع الدولة الاتحادية المنبثق عن مخرجات الحوار الوطني الشامل. ذلك المشروع الذي لم يكن مجرد إعادة صياغة لشكل الدولة، بل محاولة تاريخية لمعالجة جذور الأزمات اليمنية المتراكمة، وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن الشراكة والعدالة والتوازن بين مختلف المكونات والمناطق.

ولهذا السبب تحديداً لم يكن الانقلاب على هادي في جوهره انقلاباً على شخصه، بل كان انقلاباً على المشروع الذي مثله. فالقوى التي خشيت قيام دولة اتحادية عادلة لم تكن ترى في الرجل خطراً بقدر ما كانت ترى الخطر في الفكرة نفسها؛ فكرة الدولة التي تتسع للجميع، وتحكمها المؤسسات والقانون بدلاً من السلاح والغلبة.

ومنذ لحظة الانقلاب وحتى اليوم، دفعت اليمن ثمناً باهظاً لذلك الانحراف عن مسار التوافق الوطني.

سنوات من الحرب والدمار والانقسام والتشظي الاقتصادي والاجتماعي، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن البديل عن مشروع الدولة لم يكن سوى الفوضى، وأن إسقاط التوافق الوطني لم ينتج استقراراً لأحد، بل أنتج أزمة مستمرة ما زالت تستنزف الجميع.

لذلك لم يكن مشهد الحشود التي شاركت في العزاء أو تفاعلت مع رحيل هادي مجرد تعبير عن الوفاء لرجل عُرف بتواضعه وإنسانيته وهدوئه وابتعاده عن نزعات الانتقام والإقصاء، بل كان أيضاً تعبيراً عن الحنين إلى تلك اللحظة الوطنية التي شعر فيها اليمنيون لأول مرة أن لديهم مشروعاً جامعاً يمكن أن يلتقوا حوله.

لقد كان هادي، بكل ما له وما عليه، رمزاً لمرحلة حاول فيها اليمن أن ينتقل من منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن حكم القوة إلى قوة القانون، ومن المركزية المأزومة إلى الشراكة الوطنية الواسعة. وربما لهذا السبب بدا رحيله وكأنه استدعاء لذاكرة وطنية لم تمت، ولفكرة ما زالت تبحث عن فرصة جديدة للحياة.

إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذا المشهد الشعبي الواسع هو أن الشعوب قد تختلف حول الأشخاص، لكنها تلتف دائماً حول المشاريع الوطنية الكبرى.

وما بدا في ظاهره وداعاً لرئيس راحل كان في حقيقته تجديداً للتمسك بحلم اليمن الاتحادي، وتجديداً للإيمان بأن الدولة العادلة ما زالت تمثل الخيار الوحيد القادر على إنهاء المأساة اليمنية.

لقد اصطف اليمنيون خلف هادي وهو حي لأنه حمل مشروع الدولة، واصطفوا خلفه وهو راحل لأن المشروع نفسه ما زال يسكن وجدانهم. وبين الاصطفافين رسالة بليغة لكل القوى السياسية: إن اليمنيين لم يبكوا الرجل فقط، بل بكوا الحلم الذي تعثر، وجددوا تمسكهم بالطريق الذي ما زال ينتظر من يكمله.

فإذا كان رحيل القادة يقاس بحجم الحضور في وداعهم، فإن عظمة القادة الحقيقيين تقاس ببقاء أفكارهم بعد رحيلهم. وهادي، في رحيله كما في حياته، أثبت أن مشروع الدولة الاتحادية ما زال حياً في ضمير اليمنيين، وأن الأحلام الوطنية الكبرى قد تتعثر، لكنها لا تموت.

،،،،،،،،،،،،،،

✍️ عبدالعزيز الحمزة

الاحد ٣١ مايو ٢٠٢٦م