آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-01:17ص

التَشيُّع ، الدين الموازي للإسلام

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 11:32 م
عمار التام


بعد أن عاش المسلمون وبالأخص الحجاج شعائر الإسلام من مناسك الحج التي تدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، والمساواة بين البشر، وتذكرنا بنعمة الإسلام التي أكملها الله لعباده يوم الحج الأكبر، تبدأ لدى فرق التشيع الهاشمي الفارسي مواسم وطقوس ومناسبات دينية موازية، ترتبط بأحداث وشخصيات وروايات تاريخية أُضفيت عليها مع الزمن قداسة تتجاوز حدودها الطبيعية في التاريخ الإسلامي.


إن جوهر الرسالة الإسلامية قام على تحرير الإنسان من عبودية البشر إلى عبودية الله وحده، ومن سلطة الكهنة إلى سلطان الوحي، ومن العصبيات القبلية والسلالية إلى رابطة العقيدة والأمة.


ولذلك فإن هذه الطقوس والمناسبات ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج الامتيازات الوراثية أو احتكار الحقيقة الدينية أو جعل النسب أساسا للولاية والقيادة، وهي بذلك تمثل ارتداداً عن المقاصد الكبرى التي جاء بها الإسلام.


إن الإسلام لم يجعل بين العبد وربه واسطة، ولم يمنح أسرة أو سلالة أو عرقا حقا إلهيا في حكم الناس أو الوصاية عليهم بل جعل الناس كلهم متساوون في الحقوق والواجبات وخيّرهم بين طريق الإيمان وطريق الضلال (وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وعلى أساس ذلك أقام الإسلام ميزان التفاضل (إن أكرمكم عندالله اتقاكم).


وقد ظل هذا المبدأ أحد أهم الفوارق بين رسالة الإسلام وبين النظم الدينية الكهنوتية التي عرفتها الأمم السابقة، ورزحت قرونا تحت وطأة خرافاتها وكهنوتها الأثيم.


ومن هنا يرى كثير من الباحثين أن التشيُّع لم يكن مجرد خلاف فقهي أو نظرية سياسية منفصلة، بل إنه في الأساس مسار موازٍ تأسس على يد عدد من الهاشميين الطامحين للحكم كحق إلهي مُدَّعى وحلفاءهم الفرس بدءً بتنظيم الدعوة السرية للعباسيين والعلويين في الحميمة وخراسان والكوفة وشعار "الرضاء من آل محمد " وصرخة "يا محمد يا منصور".


ثم تطور عبر القرون إلى منظومة فكرية متكاملة أعادت إنتاج مفهوم الجينات المقدسة والسلالة المصطفاة والحق الحصري في القيادة والعلم الحصري الظاهر والباطن للنص الديني .


ومع اختلاف مدارس التشيع وتباينها، فإن فكرة الاصطفاء السلالي بقيت حاضرة بدرجات متفاوتة في بنيتها الفكرية والسياسية، فالتشيع هاشمي/فارسي الأصل والمنشأ ، والشيعة شيعة بني هاشم ومن انتسب لهم من الفرس وغيرهم.


لقد بدأت القصة بشعارات سياسية رفعت راية الانتصار للرضاء من آل محمد ولم يكن مصطلح آل البيت واردا وقتها حتى ظهر في العصر العباسي الثاني ، ثم تحول التشيع تدريجيا إلى بناء منظومات عقدية وتاريخية مكثفة، وأُنتجت عبرها رواية المظلومية الحسينية والعلوية والهاشمية ، ومن خلالها نسجت أوهام الولاية والإمامة والعصمة والاصطفاء، أنتجت مرجعية فكرية موازية للنصوص المؤسسة للإسلام ذاته.


وبمرور الزمن تحولت أحداث تاريخية محددة إلى مواسم دينية خاصة لتكريس تلك المفاهيم، وأصبحت بعض الشخصيات التاريخية محورا لعقائد وشعائر وممارسات لا يجد منتقدوها أصلا لها في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة، بل يرون فيها امتدادا للوثنية وظاهرة التقديس الكسروي القيصري التي حاربها الإسلام من أول وهله وتحويل الرسالة الخاتمة للعالمين إلى "شركة قريش القابضة" ومجلس إدارتها كهنة بني هاشم بهوية وانتماء فارسي متجدد عبر القرون .


وإذا كان الحج يجسد وحدة المسلمين بمعاني التوحيد الخالص، فإن كثيرا من الطقوس المرتبطة بالمناسبات الخاصة بالتشيع تجسد – في نظر منتقديها – العودة إلى مركزية الأشخاص والأنساب والرموز التاريخية، بما يؤدي إلى إضعاف مركزية ونقاء وصفاء العقيدة الجامعة للأمة ،والمشكلة لدوافع نهوضها وتحركها الجماعي.


ولعل أخطر ما في هذه المنظومة أنها لم تبق مجرد أفكار نظرية، بل تحولت في مراحل متعددة من التاريخ إلى مشاريع سياسية وعسكرية تحشيدية رفعت شعار الحق الإلهي في الحكم، واستندت إلى الشرعية السلالية أكثر مما استندت إلى الشورى أو الاختيار الحر للأمة.


ومن العراق إلى إيران، إلى اليمن إلى لبنان، ومن تجارب الإمامة القديمة إلى نظرية ولاية الفقيه إلى الزيدية، ومن أبي مسلم الخراساني والناصر الاطروش والقاسم الرسي ويحيى الرسي والعبيديين وحسن الصباح وشقنا بن عبدالواحد وإسماعيل الصفوي إلى الخامنئي وحسن نصر الله وعبده الحوثي ومحمد عوض المؤيدي .


من غدير خم إلى كربلاء الى استشهاد زيد وقدوم الهادي وعشرات المناسبات الطائفية تتجلى محاولات مكثفة ومتكررة لإضفاء القداسة على السلطة السياسية الحصرية لكهنة بني هاشم ومنحها غطاءً دينياً يجعل معارضتها أقرب إلى معارضة الدين نفسه.


بل إن بعض المناسبات التاريخية للتشيع مثل غدير خم الذي بدأ الاحتفال به في زمن الدولة الفاطمية وتحديده يوم ال١٨ من ذي الحجة كل عام لدليل واضح على النهج الموازي للتشيع المتعارض مع رسالة الإسلام وتاريخه ، ففي هذا اليوم تم قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في داره بالمدينة المنورة ومنع المسلمون من دفنه ست ليال من قبل معسكر الكوفة والسبأية ومن معهم من الغوغاء .


وهنا يبقى الإسلام في صورته الأولى التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم دينا قائما على التوحيد الخالص، والمساواة بين البشر، ورفض الامتيازات الوراثية، وجعل التفاضل بالتقوى والعمل الصالح لا بالنسب ولا بالسلالة.

ويبقى هذا المبدأ هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به جميع الأفكار والمشاريع والمذاهب التي ظهرت في تاريخ المسلمين.


إن معركة الوعي في عالمنا الإسلامي اليوم ليست بين سنة وشيعة كما يصورها البعض بقدر ما هي بين مفهومين للدين، دين التوحيد الذي يجعل السيادة لله وحده ويرفض الواسطة بين الله سبحانه وتعالى وبين عباده من البشر، في مقابل دين التقديس البشري الموازي القائم على الخرافة والكهنوت ، ويمنح العصمة والقداسة والحق الإلهي الحصري في القيادة لأشخاص أو سلالات دعية موهومة.


بين الإسلام الحق والرسول الحق ، وبين التشيع كدين موازٍ للإسلام ورموز التشيع كبديل لشخص ومقام النبي صلى الله عليه وسلم، وحقيقتها ليست سوى كيانات وأفكار ومشاريع نازية فاشية تجاوزت كل الخطوط الحمراء ومن حيثما مرَّت في أي مكان وزمان حل الخراب والدمار والشتات والفرقة والتمزق والتخلف .