آخر تحديث :الخميس-04 يونيو 2026-12:31م

بوارج في هرمز.. ورسائل في الكويت!

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 09:13 ص
محمد أحمد العولقي


بقلم: محمد أحمد العولقي



في الموروث الشعبي اليمني حكمة تختصر كثيراً من مآسي السياسة قبل أن تفسر خلافات البيوت: «ضربها زوجها.. حَرّت على جارتها». ويبدو أن هذه الحكمة القديمة ما تزال صالحة لفهم بعض مشاهد الإقليم اليوم أكثر من عشرات النظريات السياسية المعقدة.



فكلما اشتد التوتر بين واشنطن وطهران، وكلما ارتفعت نبرة التهديد والوعيد بالرد على «الاستكبار العالمي»، يجد المواطن العربي نفسه متسائلاً: إذا كانت أمريكا هي الخصم المعلن, فلماذا تنتهي الرسائل دائماً عند أبواب الجيران؟



وما جرى للكويت اليوم أعاد طرح هذا السؤال بإلحاح أكبر. فالبوارج الأمريكية ليست في المحيط الهادئ ولا خلف جبال الأنديز، بل ترابط عياناً بياناً في مياه الخليج وعلى مقربة من مضيق هرمز تحت مرأى الرادارات والعيون. الخصم المعلن حاضر، والعنوان معروف، والمسافة قصيرة؛ لكن المفارقة العجيبة أن الصواريخ والمسيّرات تصاب بعمىً مفاجئ، وكأنها تملك نظام ملاحة خاصاً يجعلها تتجاوز كل تلك الحشود العسكرية لتبحث عن عناوين أخرى مسالمة!



المشكلة هنا ليست في الشعارات؛ فالمنطقة اعتادت سماع خطابات الرد الحاسم، والانتقام الكبير، والزلزال الذي سيغير موازين القوى. المشكلة أن الخرائط، على ما يبدو، تروي قصة مختلفة تماماً. فعندما يحين وقت الأفعال، تصبح البوارج والمدمرات الأمريكية خارج دائرة الاستهداف ومحرمة اللمس، بينما تتحول أراضي الدول العربية المجاورة إلى صناديق بريد مجانية لتبادل الرسائل السياسية المفخخة.



إن أبسط قواعد المنطق والسياسة تقول إن المواجهة تكون مع الخصم الذي تُخاصمه وتتحداه، لا مع الجار الذي لا علاقة له بالنزاع. أما أن تُرفع الرايات الحمراء في وجه واشنطن، بينما تتجه النيران نحو أطراف أخرى، فذلك لا يعكس قوة أو شجاعة بقدر ما يثير أسئلة مشروعة حول طبيعة هذه «الردود الاستراتيجية» التي تضل طريقها ولا تصل أبداً إلى عنوانها المعلن.



والأكثر إثارة للاستغراب والرفض، أن الكويت الحبيبة لم تكن يوماً طرفاً في هذه المواجهات الإقليمية، بل عُرفت تاريخياً بسياسة التهدئة والوساطة والحفاظ على جسور التواصل مع الجميع. ومع ذلك، تجد نفسها بين حين وآخر في مرمى رسائل صاروخية غادرة لا تخصها، ونزاعات لم تبدأها، فقط لأنها جارة محترمة وملتزمة بالمنطق.



لقد ملّت المنطقة هذه المعادلة المكررة والمشروخة: خصومة وعقوبات مع أمريكا، وقلق واعتداءات يدفع الجيران ثمنها. فحين تكون البوارج الأمريكية أمام الأعين وعلى مرمى حجر، ثم تُخطئ الصواريخ عنوانها مرة تلو الأخرى، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بدقة التكنولوجيا العسكرية فحسب، بل بدقة البوصلة السياسية والكرامة العسكرية نفسها.



وفي النهاية، لا تُقاس قوة المواقف بحجم العضلات الكرتونية والشعارات الجوفاء التي تُرفع، بل بقدرتها على مواجهة الند للند والوصول إلى العنوان الذي تعلنه. أما حين يكون الخصم في اتجاه، وتذهب الضربات في اتجاه آخر، فإن الخلل لم يكن يوماً في الخرائط… بل في حسابات العجز ونفاد الحيلة.