آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-07:36م

من المسؤول عن سد فجوة الحماية للطفل اليمني؟

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 06:25 م
هبة العيدروس



إن حماية الطفل في اليمن لم تعد قضية اجتماعية أو إنسانية فحسب، بل أصبحت قضية تتعلق بسيادة القانون والأمن المجتمعي والتنمية المستدامة. ورغم الجهود الحكومية والمدنية المبذولة خلال السنوات الماضية (ضعيفة جدا)، لا تزال منظومة حماية الطفل تواجه تحديات تتطلب إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم، تستند إلى توزيع واضح للمسؤوليات بين الجهات المختصة وذات العلاقة، فتقدم الدول لا يُقاس، فقط، بما تمتلكه من موارد أو بنى تحتية، بل بقدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة فيها والأطفال في مقدمتها.


إن فشل النظام المؤسسي عن حماية الأطفال في الوقت الراهن من العنف أو الاستغلال أو الإهمال يُمثّل مؤشرًا على وجود خلل في منظومة الحماية، وليس مجرد حالة فردية عابرة.


في اليمن، تزداد أهمية هذا الملف في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها سنوات الصراع والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة، ونتج عنها ارتفاع المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، بما في ذلك العنف والاستغلال الجنسي، الأسري، عمالة الأطفال، الزواج المبكر، التسرب من التعليم، والعنف الرقمي، وغيرها.

وبالرغم من وجود تشريعات ومؤسسات معنية بحماية الطفل، إلا أن الفجوة بين النصوص القانونية وواقع التطبيق ما تزال واسعة، الأمر الذي يتطلب انتقالًا من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإصلاح المؤسسي العملي.


وتبرز أمامنا اليوم خطوات باتت ضرورية تتمثل في إنشاء وحدات نسائية متخصصة بقضايا الطفل والأحداث داخل أقسام الشرطة، فالطفل الضحية يحتاج إلى بيئة آمنة ومهنية عند الإبلاغ أو الاستماع إلى أقواله. لاسيما أن التعامل مع الأطفال يتطلب مهارات خاصة تختلف عن إجراءات الضبط الجنائي التقليدية. وتقع مسؤولية تنفيذ هذه الخطوة على وزارة الداخلية وقيادة أقسام الشرطة، بدعم فني من الجهات الحكومية والمنظمات المتخصصة في حماية الطفل.


ولا تكتمل حماية الطفل دون منظومة عدالة متخصصة وفعّالة. لذلك، فإن تفعيل نيابات ومحاكم الأحداث وتدريب أعضاء النيابة والقضاة على مبادئ العدالة الصديقة للطفل يجب أن يكون أولوية لدى السلطة القضائية ووزارة العدل والنيابة العامة، بما يضمن تحقيق العدالة ومراعاة المصلحة الفضلى للطفل.


الا أنه في المقابل، لا يمكن تحميل الأجهزة الأمنية والقضائية وحدها مسؤولية الحماية، فوزارة الشؤون الاجتماعية مطالبة بأنشاء وتأسيس منظومة وطنية متكاملة لإدارة حالات الأطفال المعرضين للخطر، وتنسيق الجهود بين مختلف الجهات الحكومية وغير الحكومية، بما فيها وزارة حقوق الإنسان التي يقع على عاتقها عبء تعزيز الرصد والتوثيق، وإعداد التقارير الوطنية بشأن الانتهاكات الواقعة على الأطفال، ومتابعة مستوى تنفيذ الالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة ورفع مستوى التنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات الوطنية والدولية لضمان إدماج حقوق الطفل في السياسات العامة والخطط الوطنية للدولة.

كما سيبرز دور وزيرة شؤون المرأة ، المعينة في الحكومة الأخيرة، في العمل على معالجة القضايا المشتركة بين حماية الطفل وتمكين المرأة خاصة الفتيات، والعمل على دمج احتياجات الأطفال في السياسات والبرامج الحكومية ذات العلاقة. ولا ننسى دور الهيئة الوطنية للمرأة التي يمكّنها أن تؤدي دورًا رئيسًا في المناصرة والتأثير على السياسات العامة والتشريعات الوطنية، إلى جانب إجراء الدراسات والأبحاث خاصة المتعلقة بالأطفال، وتعزيز الشراكة مع منظمات المجتمع المدني والجهات الدولية لتطوير برامج الوقاية والحماية،ومتابعة تضمين حقوق الطفل اليمني في الخطط الاستراتيجية الوطنية .


أما وزارات التربية والتعليم، الصحة، الإعلام، والأوقاف، فإن دورها وقائي - توعوي يكون سابق وقوع الانتهاك أو الجريمة وذلك من خلال بناء الوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة حماية الطفل والكشف المبكر عن المخاطر، فالوقاية تظل أقل تكلفة وأكثر فاعلية من التدخل بعد وقوع الضرر.


وفي هذا الإطار، تتحمل منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية العاملة في مجال الطفل والأحداث مسؤولية لا تقل أهمية من خلال دعم بناء القدرات، تطوير آليات الرصد والتوثيق، تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، والمساهمة في صياغة السياسات العامة القائمة على الأدلة والاحتياجات الفعلية للأطفال.


غير أن نجاح كل هذه الجهود يظل مرهونًا بتوفير التمويل الكافي ووجود إرادة مؤسسية جادة للمساءلة والتقييم، لأن حماية الطفل لا ينبغي أن تظل ملفًا موسميًا يرتبط بالتمويل الخارجي او ارتفاع نسبة الجرائم الواقعة على الأطفال وتناولها كقضايا رأي عام عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون تقدير حساسية هذه القضايا بالنسبة للأطفال وأسرهم، بل يجب أن تصبح أولوية وطنية تنعكس في الموازنة العامة للدولة والخطط الحكومية والبرامج المحلية.


إن الطفل اليمني لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حمايته، وإلى قرارات شجاعة تسد فجوة الحماية القائمة منذ سنوات، فكل تأخير في تطوير آليات الحماية يعني مزيدًا من الأطفال المعرضين للعنف والاستغلال والتدمير النفسي والسلوكي، ومزيدًا من الأعباء التي سيدفع المجتمع ثمنها مستقبلًا ..


لذلك، فإن مسؤولية حماية الأطفال اليوم تقع على عاتق الجميع: الحكومة، السلطة القضائية، السلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين والإقليميين، للعمل معًا من أجل بناء منظومة حماية فعّالة تجعل مصلحة الطفل الفضلى واقعًا ملموسًا لا مجرد نصوص قانونية أو التزامات معلنة.


د. هبة عيـدروس