بينما تقرع الأجراس معلنةً بداية الحصة الدراسية، وتتجه الأنظار كلها صوب المعلم وهو يقف أمام السبورة ممسكًا بطباشيره، يقبع خلف الجدران جيشٌ كامل يُدير هذه المنظومة المعقدة بحرفية وصمت. هم المعلمون الأوائل الذين خاضوا غمار التدريس لسنوات، ثم انتقلوا لإدارة عجلة التعليم من المكاتب والإدارات التربوية.
اليوم، يعيش هؤلاء التربويون حالة من الإحباط والشعور بـ "الإجحاف" العزل الوظيفي، بعد أن تم استثناؤهم من الحوافز والمكافآت المالية التي مُنحت لزملائهم في الميدان، وكأن العملية التعليمية تقتصر على الغرفة الصفية فقط، متناسين أن التعليم حلقة متكاملة إن فُقدت إحدى روابطها انفرط العقد كله.
خلية نحل لا تهدأ: ماذا يفعل التربويون في مكاتبهم؟
يعتقد البعض واهمًا أن العمل الإداري في قطاع التربية مجرد مكاتب مغلقة وروتين عقيم، لكن الواقع يكشف عن خلية نحل لا تتوقف عن الإنتاج لخدمة الطالب والمعلم على حد سواء:
التخطيط والمتابعة:في هذه الإدارات تُطبخ الخطط التعليمية، وتتشكل فرق التوجيه والمتابعة الميدانية لضمان جودة التعليم.
الشؤون الوظيفية والمالية: دوائر إعداد الرواتب، إصدار الأوامر الإدارية، وتنظيم حركة تنقلات المعلمين وتوزيعهم العادل، بالإضافة إلى تسوية ملفات الطلاب وانتقالاتهم.
الأنشطة وبناء الشخصية: أقسام الأنشطة الثقافية والرياضية التي تصقل مواهب الطلاب وتحول المدارس إلى بيئات جاذبة.
البنية التحتية واللوجستية: من القسم الهندسي الذي يشرف على ترميم المدارس، إلى قطاع التجهيزات المدرسية، وصولاً إلى برامج التغذية المدرسية وتدريب وتأهيل المعلمين لمواكبة التطور.
الحقيقة الغائبة: لا توجد طاولة أو مكتب في أي إدارة تربوية إلا ويُنجز مهمة تصب مباشرة في مصلحة الطالب والمعلم. فكيف يُفصل عطاء الإداري عن جهد المعلم؟
مفارقة مؤلمة: من رحم التدريس إلى رصيف التهميش
المفارقة التي تثير استغراب واستهجان الحقل التربوي هي أن أغلب طواقم الإدارات التربوية ومكاتب التعليم هم في الأصل معلمون أمضوا زهرة شبابهم في سلك التدريس . انتقلوا إلى العمل الإداري بحكم خبرتهم وحاجة المنظومة لكفاءات تقود العمل، ليجدوا أنفسهم اليوم محرومين من "قانون المعلم" سابقًا، ومستبعدين من الحوافز المالية والمكافآت حاليًا.
إن محاولة فصل عمل التربوي (الإداري) عن المعلم (الميداني) هي نظرة قاصرة تُنكر مجهودًا ملموسًا، فالمعلم لن يجد بيئة يشرح فيها، ولا راتبًا يستلمه، ولا كتابًا يدرّسه، لولا ذلك التربوي القابع خلف مكتبه يتابع المعاملات ويسخر الإمكانيات .
في ظل الانهيار الاقتصادي: الحافز ليس رفاهية بل شريان حياة
تأتي هذه الاستثناءات في وقت يمر فيه البلاد بوضع اقتصادي منهار، وتآكل مخيف للقيمة الشرائية للرواتب الزهيدة.
إن المبالغ المرصودة للحوافز – على ضآلتها وزهادتها – لن تصنع ثراءً، لكنها تمثل "شريان حياة" يسد رمق الأسر التربوية، ويدعم متطلبات الحياة المعيشية الأساسية التي أصبحت عبئًا ثقيلاً على كاهل التربوي. إن إنكار جهود هذه الشريحة وحرمانها من الدعم المادي ليس مجرد غبن وظيفي، بل هو طعنة في خاصرة الاستقرار المعيشي والنفسي لآلاف العائلات.
نداء إلى أصحاب القرار.. هل من إنصاف؟
إن إصلاح التعليم يبدأ من إنصاف كل من يخدمه. والسؤال الذي يتردد اليوم في أروقة مكاتب التربية والتعليم: أين الإنصاف عندما يُحرم التربوي من حافز صُرف أساسًا لخدمة العملية التعليمية وهو عمودها الفقري؟
نضع هذا الملف الساخن على طاولة الجهات المعنية والمسؤولين، فالحاجة ماسة لإعادة النظر في هذه السياسات الإقصائية، ودمج التربويين في أي رعاية مادية أو حوافز قادمة. إن تقدير التربوي وإعطائه حقه ليس منةً، بل هو واجب وطني لضمان استمرار دوران عجلة التعليم دون توقف.