في إحدى أمسيات العيد الشبوانية الأصيلة، حيث تمتزج رائحة القهوة المهيلة بعبق الشاي الأحمر، وتتداخل أحاديث الناس مع همومهم اليومية، احتد النقاش كالعادة بين الحاضرين حول السياسة ومستقبل المحافظة. ارتفعت الأصوات، وتباينت الآراء بين مؤيد لمكون سياسي ومعارض لآخر. وحين بلغ الجدل ذروته، تدخل أحد كبار السن، صاحب المجلس، ليلتقط دلة القهوة، ويصب فنجاناً ناوله لأكثر الشباب انفعالاً، قائلاً بهدوء ووقار جملة لخصت حكمة السنين: "يا عيالي... الوجوه تتبدل، والظروف والمشاريع تتغير، لكن (المطرح) واحد... وكلكم منّا وفينا".
ساد الصمت للحظة، وكأن الجميع أدرك أن تلك الكلمات البسيطة تختصر إرثاً كاملاً من التعايش. بهذه الفلسفة الفطرية العميقة، عاشت شبوة وتجاوزت أعقد المنعطفات التاريخية. لم يكن أبناؤها يسألون الوافد إليهم عن بطاقته الحزبية أو انتمائه السياسي، بل كان يكفيهم أن يجمعهم "المطرح" الذي يتسع للجميع، حيث دأب العقلاء على لمّ الشمل تحت سقف واحد بدلاً من تمزيقه بالتصنيفات. لقد أثبتوا بطريقتهم أن المجتمعات لا تستمر لأنها متطابقة الرؤى، بل لأنها تتقن إدارة اختلافاتها دون أن تفقد روحها الأصيلة. ولهذا تحديداً، أجد أن أي نقاش حول مستقبل شبوة، أو الجنوب، أو اليمن عموماً، يجب أن ينطلق من سؤال محوري: كيف نحافظ على هذا "المطرح" واسعاً كما ورثناه، بدلاً من تضييقه ليناسب مقاس فئة معينة وطيف واحد؟
نقرأ بين الحين والآخر طروحات تُشيد بأهمية الانطلاق من الميدان، ومن القرى والمديريات. وبكل تجرد وعقلانية، لا يوجد خلاف على الإطلاق حول أهمية التنظيم والعمل الميداني المؤسسي؛ فالمجتمعات الناجحة لا تُدار بالعشوائية. لكن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في "التنظيم"، بل في السقوط في فخ "الاحتكار". هناك فرق شاسع بين أن يبني أي طرف إطاراً مؤسسياً ينظم صفوف مؤيديه، وهو حق سياسي مشروع، وبين أن يُراد لهذا الجهد الخاص أن يتحول إلى مرجعية وحيدة تُنصب نفسها كممثل حصري وناطق أوحد باسم المجتمع. التنظيم يكون نقطة قوة حين يدرك أنه "جزء" من المشهد، لكنه يفقد قيمته حين يحاول مصادرة المشهد بأكمله.
وهنا تجدر الإشارة بعقلانية إلى مغالطة فكرية تقع فيها بعض هذه الطروحات، حين تختزل مفهوم "الحضور على الأرض" في كشوفات المندوبين وقوائم الهياكل، وتوحي ضمناً بأن عدم الانضواء تحت إطارها يعني "الغياب عن الميدان". إن الأرض أوسع بكثير من أن يُحتكر تمثيلها؛ فعدم وجود طرف ما في قاعة اجتماعاتك لا يعني أبداً غيابه عن الواقع. على تراب شبوة تتكامل المكونات؛ فهناك المؤتمر الشامل، وهناك مجلس شبوة الوطني العام بحضوره وامتداده، وهناك الأحزاب العريقة التي لا يمكن إختزالها، والشخصيات الاجتماعية، والآلاف من النخب المستقلة. الأرض ليست شهادة ملكية سياسية يحوزها من يسبق الآخرين في ملء الاستمارات، بل هي فضاء يتسع لكل هذه الألوان التي توجد معاً في الميدان، وتستمد شرعيتها من ثقة الناس لا من اعتراف طرف دون آخر.
إذا قلبنا صفحات التاريخ السياسي القريب، سنجد أن تجربة التنظيمات الشمولية ليست غريبة علينا. لقد عرفنا منذ عقود تجارب امتلكت هياكل جبارة، ونشرت لجاناً ومندوبين في كل زاوية، واعتقدت في نشوة اللحظة أنها تختزل الجميع، لكن الواقع كان يثبت مراراً أنه أوسع من أي مشروع أحادي. لقد علمتنا الأيام أن الهياكل مهما تضخمت، فإنها تبقى أحادية اللون إذا لم تُبنَ على شراكة حقيقية فالشراكة لا تبدأ "بعد" اكتمال البناء، بل منذ وضع الحجر الأول. الشراكة تعني أن يشعر الجميع منذ البداية أنهم شركاء متساوون في صياغة الفكرة، وصناعة القرار، وتحديد بوصلة المستقبل.
ومن المؤسف حقاً أن تطفو على السطح بين الحين والآخر تصنيفات فرّقت الناس أكثر مما جمعتهم، كثنائية "أصحاب الأرض" و"أصحاب الفنادق"، وغيرها من المسميات الإقصائية. هذه اللغة لم تبنِ وطناً يوماً، ولم تصنع استقراراً. فالوطنية لا تُقاس بالمسافات ولا بمكان الإقامة؛ الإنسان لا يفقد انتماءه لأنه سافر، ولا يكتسب صكاً حصرياً بالوصاية لأنه بقي في قريته أو مديريته. بين أبناء شبوة مثل بقية أبناء الوطن من يكافح في الداخل بصبر، ومنهم من اضطرته قسوة الظروف للاغتراب، ومنهم من اختلف سياسياً أو اتفق؛ لكن الانتماء للأرض حق أصيل لا تمنحه اللجان ولا تسحبه البيانات.
ولو اقتربنا خطوة من وجدان المواطن البسيط لقرأنا في عينيه حقيقة تغيب عن الكثيرين؛ فهذا المواطن لا تبهره كثافة المندوبين، بل يبحث عن "حياة" تليق بإنسانيته؛ عن ضوء لا ينطفئ، عن شربة ماء لا تتأخر، عن مستشفى يعالجه، ومدرسة آمنة لأطفاله، وفرصة عمل تحفظ كرامة شبابه بعيداً عن المحسوبية. لذلك، فإن الكيان الذي يضع "الإنسان أولاً"، ويقترب من هذه الهموم ليقدم الحلول، سيكسب احترام الناس تلقائياً، بينما من ينشغل بخصومه وتسجيل النقاط سيبقى يغرد وحيداً في وادٍ بعيد.
ختاماً، إن مطارحنا التي أرهقتها الصراعات لا تبحث اليوم عن ساحة لتسجيل الانتصارات البينية، ولا تحتاج إلى صيغة "غالب ومغلوب"، بل تحتاج إلى حكمة الكبار التي تدرك أن التنوع ثروة والقوة الحقيقية تكمن في مقدار الأمان الذي تمنحه للمختلف معك ليظل شريكاً محترماً في الحاضر والمستقبل. سيظل "المطرح" الشبواني عامراً شامخاً وعصياً على الاختزال ما دام يتسع لأحلام جميع أبنائه وتعدد رؤاهم، فالأوطان العظيمة لا تكبر بمن يهيمن عليها، بل بالقلوب التي تجد فيها مكاناً آمناً؛ لأن شبوة ببساطة، أكبر من أن تتسع لطرف، وتضيق بآخر؛ شبوة كانت وستبقى، للجميع... لا لمن يدّعي تمثيل الجميع.