في كل مجتمع يمر باضطراب سياسي أو اجتماعي، تظهر ظاهرة غريبة ومؤلمة في آن واحد، جماهير واسعة تسير خلف التكتلات والأحزاب وكأنها قطيع مغمض العينين، لا يسأل، لا يناقش، لا يفكر، بل يكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه دون أن يعرف لماذا أو إلى أين يُساق.
هذه الجماهير لا تدرك أنها تمنح قوتها لمن لا يستحق، وتضع مصيرها في يد من لم يقدم لها يومًا ما يليق بها. ومع كل خفوت في ضوء تلك التكتلات، ومع كل تراجع في نفوذها، تبدأ الدعوات إلى المسيرات والتجمعات، مرة تحت شعار “تجديد العهد”، ومرة تحت شعار “التفويض”، وثالثة تحت راية الفوضى.
وكأن الجماهير ليست بشرًا، بل وقودًا يُستخدم كلما احتاجت تلك الجهات إلى رفع صوتها من جديد. و المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الذين يطالبون اليوم بالمسيرات، كانوا بالأمس أصحاب القرار، وكانت يدهم فوق الجميع، ومع ذلك لم يفعلوا شيئًا من أجل الجماهير التي تهتف لهم الآن. و لم يقدموا مشروعًا حقيقيًا، لم يحموا الناس من الانهيار، لم يفتحوا بابًا واحدًا نحو مستقبل أفضل.
كل ما فعلوه كان يدور في دائرة ضيقة، مصالح شخصية، امتيازات خاصة، شبكات نفوذ، ومكاسب لا تتجاوز حدود جماعتهم المقربة. بل إن بعضهم وصل إلى حد الغرور الذي يجعلهم يتحدثون وكأنهم “المرجع الأعلى”، وكأنهم فوق النقد، وفوق المحاسبة، وفوق الناس أنفسهم. وحين سقطوا صاروا فجأة معارضين وما إن تم تنحيتهم، وما إن انتقلت الفوضى إلى غيرهم، حتى تحولوا إلى معارضين شرسين، ينتقدون الأخطاء التي كانوا هم أول من مارسها، ويقيمون العيوب التي كانوا هم أول من صنعها، ويتحدثون عن الفساد الذي كانوا جزءًا منه.
هذا التحول السريع يكشف حقيقة واحدة،أن كثيرًا من التكتلات لا تؤمن بالمبادئ، بل بالمكاسب. ولا تتحرك بدافع المسؤولية، بل بدافع الحاجة إلى البقاء في المشهد. لكن الأكثر غرابة أن هناك من يصدقهم رغم كل هذا، ما زال هناك من يسير خلفهم دون تفكير، دون تقدير للموقف، دون قراءة للواقع الذي يعيشه الناس.
يتبعهم وكأن ما حدث لم يحدث، وكأن الانهيار الذي أصاب المجتمع لم يكن نتيجة مباشرة لسنوات طويلة من سوء الإدارة، وكأن الكارثة التي يعيشها الناس اليوم ليست امتدادًا طبيعيًا لقراراتهم السابقة.
ناس يعيشون وضعًا مزريًا، حياةً تحولت إلى عبء، مستقبلًا غامضًا، ومع ذلك يسلمون عقولهم لمن لم يحفظهم يومًا.
الوعي في الحقيقة هو المعركة الحقيقية والمشكلة ليست في التكتلات وحدها، بل في الجماهير التي تمنحها القوة دون سؤال.
المشكلة ليست في من يرفع الشعارات، بل في من يصفق لها دون أن يسأل:
ماذا قدمتم؟
وماذا ستقدمون؟
ولماذا نثق بكم مرة أخرى؟
المجتمع لا ينهض بالشعارات، ولا بالمسيرات، ولا بالتفويضات، بل ينهض حين يقرر الناس أن يكونوا أصحاب قرار لا أدوات، وأن يكونوا عيونًا مفتوحة لا قطيعًا مغمض العينين يساق حيث يريدون لاحيث يجب أن يكون.