تعاني مدينة أحور، منذ سنوات طويلة، من معضلتين أساسيتين تتمثلان في الكهرباء والمياه، وهما الخدمتان اللتان أثقلتا كاهل المواطنين وأرهقتا حياتهم اليومية دون استثناء. يمر الشهر تلو الآخر، والسنة تلو السنة، دون أن يلمس المواطن أي تحسن حقيقي، بل إن الواقع يزداد سوءًا عامًا بعد آخر. تعالت الأصوات، وبحت الحناجر، وتكررت المناشدات والمطالبات بإصلاح هذا الواقع، إلا أنها ظلت تصطدم بجدار من التجاهل.
وجد سكان المدينة أنفسهم مجبرين على التعايش مع هذا الوضع الكارثي، على أمل أن يأتي يوم يرون فيه بصيصًا من الأمل، لكن لا توجد مؤشرات حقيقية على وجود إرادة للإصلاح، ولا خطوات عملية تبعث على التفاؤل، ولا إحساس بالمسؤولية تجاه معاناة الناس. ولطالما آثرنا الصمت، وتحملنا الكثير، لأن كل من يرفع صوته للمطالبة بحقوق المواطنين يُتهم بالتحريض، أو بمعاداة الإصلاح، أو باستهداف أشخاص بعينهم، وهي اتهامات لا تستند إلى أي حقيقة، بينما الواقع أننا مجرد مواطنين نعاني كما يعاني الجميع.
اليوم، لم يعد الوضع يحتمل مزيدًا من الصبر، بل إن الصبر نفسه أوشك على النفاد، إن لم يكن قد نفد بالفعل. بيوت تئن تحت وطأة الحر، وليالٍ طويلة يقضيها كبار السن بحثًا عن نسمة هواء تخفف عنهم مشقة الحر، وأطفال ينتظرون شروق الشمس حتى يتمكنوا من تشغيل مروحة تعمل بالطاقة الشمسية، وكأن الشمس أصبحت الملاذ الوحيد بعد أن غابت الكهرباء.
أما مولدات الكهرباء، فقد أنهكها الزمن، وانتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات، ولم تعد قادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجات المدينة. لقد قدمت هذه المولدات ما استطاعت تقديمه طوال أكثر من عقد من الزمن، لكن أحور اليوم، وهي مدينة مترامية الأطراف، تحتاج إلى مولدات إسعافية حديثة ذات قدرة إنتاجية أكبر، تواكب حجم الطلب المتزايد. ولا تزال هناك قرى في مديرية أحور لم تعرف خدمة الكهرباء حتى اليوم.
ولم يكن تهالك المولدات نتيجة التقادم وحده، بل ساهم غياب الصيانة الدورية، وإهمال خطوط النقل والمحولات الفرعية، في تسريع انهيارها. فلم يكن هناك اهتمام حقيقي بالحفاظ على هذه المعدات أو إطالة عمرها التشغيلي، وإنما اقتصر الأمر على تشغيلها حتى تتعطل، ثم إصلاح الأعطال بشكل مؤقت، دون أي رؤية لمعالجة جذور المشكلة أو تطوير المنظومة. وفي المقابل، استمرت الإيرادات تُحصّل دون أن ينعكس ذلك على مستوى الخدمة.
ولا يختلف حال مشروع المياه كثيرًا عن الكهرباء، فهو الآخر يعيش حالة من التعثر والإهمال. فهناك أحياء ومناطق لا تصلها المياه إطلاقًا، بينما لا تتجاوز ساعات الضخ ساعتين فقط، يعقبها انقطاع يمتد إلى 48 ساعة أو أكثر. فكيف يمكن للمواطن أن يوفر احتياجاته الأساسية في ظل هذا الواقع؟ لقد أصبحت رحلة البحث عن الماء جزءًا من المعاناة اليومية، في وقت أصبح فيه الخزان الرئيسي متهالكًا، وانتهى عمره الافتراضي، فيما تعجز شبكة الضخ عن تغطية احتياجات مدينة تتوسع يومًا بعد آخر.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الأزمة ليس تهالك المعدات وحده، وإنما الفشل الإداري الذي رافق هذين المرفقين لسنوات طويلة. فلم يقدم المسؤولون سوى المبررات والتفسيرات التي تكرر نفسها في كل مرة، بينما ظل التمسك بالمناصب أقوى من أي شعور بالمسؤولية تجاه المواطنين. إنها معادلة مؤلمة؛ عجز في الأداء، وفشل في الإدارة، يقابله إصرار على البقاء في المواقع نفسها، فيما يبقى المواطن وحده من يدفع ثمن هذا الإهمال، ويعيش يوميًا معاناة لا تبدو لها نهاية.