عن الصبر والهمة في زمن الضعف
قال العمودي أحمدُ في الناس حكمةُ
لا تبثّ جرحكَ فالخلقُ لهم سقمُ
إنّ الشكاةَ على الأبوابِ مذلّةُ
ومن شكى للناسِ ضاعَ منهُ الشممُ
لا تشكُ داءكَ للذي في العينِ صنمُ
عيناهُ تضحكُ والقلبُ لهُ ندمُ
وإن بثتَ لذي الأهواءِ لوعتكَ
زادوكَ جرحاً فوقَ جرحكَ والتُهمُ
هل حرّرت دمعةٌ يوماً لنا وطناً
أم أنّ نعي الناعي يعيدُ العلمُ
من يبكِ حظهُ ماتت بهِ هممُ
والحظُ أعمى إن تعطلتِ القممُ
كم قد منحتُ ثقتي فانقلبَ ألمُ
وكم بنيتُ جسوراً فانثنى قدمُ
مشى على صدريَ الخلّانُ وارتحلوا
وتركوني والنزيفُ في الحشا ورمُ
ما عاد يثنيني الأسى ولا الألمُ
جُرحي إذا مسّهُ لهيبُ النارِ التئمُ
أشربُ أسايَ وأجعلُ المرَّ مبتسمُ
والشمعُ يحترقُ وفي اشتعالهِ نغمُ
ألجم هواكَ وخذ من الحزنِ مركباً
وانهض كسيفٍ في الوغى إذا ازدحمُ
فالخيرُ حملٌ وديعٌ في البريةِ خائفُ
والشرُّ ذئبٌ جائعٌ للدمِ يلتهمُ
كلُّ السكاكينِ للشاةِ لها سبقُ
والذئبُ يضحكُ والقطيعُ ملتئمُ
كن ذا دهاءٍ واملكِ السرَّ في يدكَ
فالمالُ صنمٌ لهُ الأممُ قد رسمُ
والجاهُ معبودٌ على أبوابهِ أممُ
يسجدُ لهُ الضعيفُ والجبّارُ يحتمُ
أما ترى الناسَ في سوقِ الهوى غنمُ
يقتتلونَ على سرابٍ وهو عدمُ
يا صاحبَ الهمِ لا تجزع ولا تَهمُ
فاللهُ حسبكَ إن ضاقت بكَ النسمُ
من غيرهِ الملجأُ إن سدّت مذاهبُ
وتحتَ ظلِّ سدرهِ يطيبُ الختمُ
دمعُ الرجالِ إذا سالَ على الوجنِ دمُ
والصمتُ في المحنِ الكبرى لهُ حِكمُ
لا تشكُ فالشكوى طريقُ الخانعينَ
والصقرُ لا يبكي وإن كُسرَ الجناحُ انهزمُ
قم واصنع المجدَ من رمادكَ علماً
واكتب على الجرحِ أن الصبرَ ملزمُ
فالتاريخُ لا يروي دموعَ الضعفِ
يكتبُ لمن صبرَ وصارعَ واقتحمُ
كم من عظيمٍ سارَ والجرحُ صاحبهُ
فصارَ بالجرحِ سيفاً في الورى قلمُ
وكم من جبانٍ شكا فماتَ من ألمِ
والناسُ تنسى من بكى ومن ظُلمُ
لا تنتظر مواساةً من ذوي الرحمِ
فالكلُّ مشغولٌ وجرحهُ مؤلمُ
واجعل عزاءكَ في يقينكَ راسخاً
فمن توكلَ على الإلهِ لا ينهزمُ
إن سقطَ العلمُ فاحمله على كتفك
وإن هوى المجدُ فابنهُ من جديدِ دمُ
الأمةُ لا تحيا بشكوى نائحِ
تحيا بمن في صدرهِ نارٌ وملتزمُ
لا ترجُ خلقاً إن تكالبتِ المحنُ
فالخلقُ غرقى وكلٌ همه الألمُ
واصبر كما صبرَ الجبالُ على المدى
فالصخرُ يبلى والجبالُ لا تنهدمُ
اشدد عزيمتكَ وكن للدهرِ منتقماً
من كلِ من ظنّكَ بعدَ الكسرِ تنهزمُ
وامشِ على الأشواكِ وابتسم لجراحك
فالنصرُ يولدُ من رحمِ الألمِ فتممُ
من قال إن الليلَ دائمٌ بلا فجرِ
إن الفجرَ يأتي بعدَ أطولِ ظلمُ
فاصبر قليلاً سوفَ تبصرُ شمسهُ
وتقولُ كانَ جرحي بالأمسِ تيممُ
لا تمنح السرَّ لمن باعكَ في زمنِ
فالسرُّ إن شاعَ بينَ الناسِ منجمُ
واكتم لوعتكَ في جوفكَ واكتمها
فالبحرُ في أعماقهِ الدرُّ منظمُ
كن كالنخيلِ يُرمى بالحجرِ فيعطي
رطباً وإن قسا عليه الناسُ يبتسمُ
وكن كالنارِ تحرقُ نفسها حتى
تضيءَ دربَ السائرينَ وليسَ تنهزمُ
يا ابنَ الأصولِ لا تدنّس مجدَ أجدادك
بدمعةٍ في موضعٍ الرجالُ تلتزمُ
ارفع جبينكَ فالمكارمُ لا تُباعُ
ولا تُشترى ببكاءِ العاجزِ المهتزمُ
التاريخُ يسألُ عن رجالٍ صدقوا
فماذا تقولُ إذا سألكَ القلمُ
أتبكي؟ أم تبني من الشوكِ مملكةً
ويكونُ صبركَ في الشدائدِ مختمُ
لا تعش أسيرَ وهمٍ أو أسيرَ ندمِ
فالعمرُ يمضي والجبانُ هو المهزومُ
سر في طريقكَ والليالي شهودهُ
واللهُ يرعى من إلى العلياءِ قد عزمُ
كم من ضعيفٍ صارَ بالصبرِ سيداً
وكم من قويٍ بالشكوى قد انهزمُ
فاختر لنفسكَ أي دربٍ ترتضي
دربَ الكرامِ أو طريقَ من ظُلمُ
إن خانكَ القريبُ فاللهُ أقربُ
وإن جفاكَ الصاحبُ فالحقُ محكمُ
وإن تكالبتِ الذئابُ على فريسةٍ
فالأسدُ لا يخشى وإن كثرَ الزحمُ
ازرع أرضكَ باليقينِ ولا تملّ
فالغيثُ يأتي بعدَ طولِ تلهفِ وظمأ
ومن بذرَ الصبرَ حصدَ العزَّ في زمنِ
ومن سقى الشكوى حصدَ الخيبةَ والندمُ
لا تشكُ للناسِ ناراً في جوانحك
فالناسُ أفرانُ وكلٌ في لظاهُ يضرمُ
واحمل عبئكَ واصعد بهِ قمةً
فالمجدُ لا يُعطى لمن جبنَ وانهزمُ
تعلّم من الجرحِ كيفَ يكونُ دواءً
ومن السقوطِ كيفَ ينهضُ المتعلمُ
فالحياةُ مدرسةٌ ودرسها قاسِ
ومن نجحَ فيها صارَ للدهرِ معلمُ
أغلق فمكَ عن الشكوى وافتح يدكَ
للعملِ فالفعلُ يمحو كلَّ ما ألمُ
ودع الثرثرةَ للنساءِ في المجالسِ
والرجالُ أفعالهم في الميدانِ تلتزمُ
هذي وصاتي لكَ يا من يقرأ حرفي
لا تُسلم القلبَ للدنيا ولا تستسلمُ
عش عزيزاً أو مت كريماً شامخاً
فالموتُ واحدٌ ولكن العيشَ مقسمُ
قال العمودي أحمدُ ختامَ القولِ ختمُ
لا تشكُ إلا للذي بيديهِ كلُّ النعمُ
واصبر وصابر إن الحياةَ معركةُ
والنصرُ للصابرِ الذي في اللهِ مختتمُ
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
قصيدة "لا تشكِ"
عن الصبر والهمة في زمن الضعف