لعل كثيرا من النخب في وطننا العربي تستغل ضعف الوعي لدى البسطاء من الشعوب العربية ، فتغرس في عقولهم الأفكار الهدامة ، ومشاريع التمزيق للنسيج الاجتماعي ، ومعاداة الاتحاد ، كما تزرع في نفوسهم الحقد والبغضاء والكراهية لبعضهم ، على وفق مسوغات واهية ما أنزل الله بها من سلطان ؛ كقولهم إن الوحدة أو الاتحاد يتسبب في المجاعة لقوم ، والثراء لآخرين ، وتسلط بعض الأقوام على أقوام أخرى ، فضلا عن غياب العدالة ، والمواطنة المتساوية ، وغير ذلك من الأمور التي من شأنها تفكيك المجتمعات وتمزيقها .
غير أن الحقيقة غير ذلك ، لو كانت الشعوب محصنة بالوعي لما وقعت في فخ تلك النخب القاصرة ؛ لأن الإمبراطورية العربية في العصر الأموي كانت في قمة الثراء ، وخزائنها مملوءة بالأموال ، لكن المواطن ظل يعاني من الفقر والبؤس والإفلاس ، لماذا كل هذه المعاناة ؟ لأن السلطة تسخر تلك الأموال لشراء الولاءات ، ولا تهتم لأمر المواطن لا من قريب ولا من بعيد ، فالأمر ليس في وحدة الجغرافيا المترامية بل في السلطة التي لم تحسن إدارة البلاد ورعاية العباد ، وعندما صعد عمر بن عبد العزيز إلى رأس هرم السلطة ، كلكم يعلم كيف تغير حال الوطن والمواطن ؛ إذ أصبحت الصدقات تعود من أفريقيا وشرق آسيا إلى العاصمة دمشق ؛ لاكتفاء المواطن ، وعدم حاجته إليها ، حتى الطيور كان يوضع لها القمح والماء في الجبال والصحاري ؛ لتطعم دون سعي أو جهد مضن .
وبناء على هذا فإن المشكلة في السلطة أو النظام القائم على الأمر ، وليس في اتحاد الشعوب واتساع الجغرافيا .
واليوم كانت ليبيا دولة واحدة ، وكان حال المواطن فيها جيدا ، وبعد أن تم تمزيقها إلى ثلاث دويلات (طرابلس ، بن غازي ، سرت) ، وأصبحت تحت حكم ثلاث سلطات ، أضحى المواطن في حال متردية ، من الجوع والخوف والبؤس والحرمان ، وكذلك العراق وسوريا والسودان واليمن ، فهل المشكلة في اتساع الجغرافيا واتحاد القوم أم في سوء إدارة السلطة ؟