حين تدق ناقوس الإجازة وتفتح أبواب العام الدراسي الجديد، تفترض المجتمعات الحية أن تتجدد معها آمال البناء والأمل. غير أن المشهد في مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج يروي حكاية أخرى؛ حكاية يتصارع فيها العوز مع الإرادة، وتتراجع فيها صفوف الدروس لصالح واقع مرير بات يغري المعلمين بترك طباشيرهم وحمل السلاح بحثاً عن لقمة عيش كريمة.
لا يمكن قراءة ما يحدث في مدارس هذه المديرية باعتباره مجرد تعثر عابر أو أزمة إدارية مؤقتة، بل هو نزيف حقيقي يهدد البنية الاجتماعية برمتها. فصول خاوية بلا معلمين، وساحات تعج بطلاب يفتقرون لأبسط المقومات من كتب ومقاعد، وجهات مسؤولة تقف متفرجة وكأن انهيار المستقبل التعليمي لآلاف الأطفال لا يعنيهم في شيء. وحين يجد المعلم، الذي يفترض أن يكون حجر الأساس في بناء الوعي، نفسه عاجزاً عن إطعام أسرته بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، يصبح دفعه نحو التجنيد كخيار وحيد للحياة خذلاناً مؤسسياً ومجتمعياً فادحاً.
إن هذه السياسة الصامتة تكرس لواقع خطير يتمثل في "عسكرة المعلم وتجهيل الطالب". وحين تغيب الدولة عن واجبها الأساسي في توفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة، فإنها لا تفرغ المدارس من مضمونها فحسب، بل تفتح الباب على مصراعيه أمام أمواج عارمة من الجهل والتسرب المدرسي التي ستدفع ثمنها أجيال قادمة بأكملها.
إن أبناء المضاربة ورأس العارة ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، وحقهم في التعليم ليس منّة من أحد بل هو حق أصيل كفُله القانون والإنسانية. ومن هنا، فإن نداءً عاجلاً يُوجه إلى وزارة التربية والتعليم ومكتبها بمحافظة لحج: كفى صمتاً وإهمالاً. أنقذوا المعلم قبل أن يندثر قلمه، وأنقذوا الطالب قبل أن يفقد مقعده، فاليوم ما زال في الوقت متسع لتدارك الكارثة، وغداً قد لا تنفع الندامة على جيل كامل يُترك ليواجه مصيره المظلم وحدَه.