قراءة في تجربة فنان تشكيلي يمني بين الإتقان الأكاديمي والتجاهل المؤسسي
(تمهيد)
في المشهد التشكيلي اليمني، تظل تجارب كثيرة رهينة الصمت. ليس لقلة قيمتها، بل لأن أصحابها لم يجدوا من يلتقطها قبل أن تبتلعها الفوضى والحرب. من هذه التجارب تجربة الفنان داوود راجح المقطري، مواليد 7 سبتمبر 1961، خريج أكاديمية السينما VGIK في موسكو، وعضو نقابة واتحاد الفنانين التشكيليين. نموذج للفنان الدارس المتقن الذي حوّل حياته إلى اشتغال يومي على اللون والشكل، ثم وجد نفسه يواجه إحباطات أشد قسوة من قسوة الخامة.
(التكوين والمسار المهني)
""""'"""""""""""""""""""""""""""""''
درس المقطري دراسة أكاديمية صارمة في الاتحاد السوفيتي السابق. هناك أنجز مشروع تخرجه المتمثل في ترجمة رواية _نجران تحت الصفر_ إلى سلسلة لوحات زيتية، وهو ما يكشف مبكراً عن قدرته على الجمع بين السرد البصري والإتقان التقني. بعد التخرج عمل في القصور الملكية بالأردن رساماً ومصوراً، أنجز خلالها بورتريهات لشخصيات عامة وأمراء ووجهاء، مما صقل مهارته في التعامل مع التفاصيل والملامح.
عاد إلى اليمن بعد الوحدة ليعمل نائباً لنقابة الفنانين التشكيليين، وعضواً في منظمات واتحادات فنية، ونائباً لعميد معهد الموسيقار جميل غانم للفنون الجميلة بعدن. شارك في معارض جماعية محلية وخارجية، وكان حضوره نقابياً وثقافياً فاعلاً: يبحث عن حقوق الفنانين، ويكره الظلم، ويحب الإنصاف.
(الأسلوب والهموم كما تظهر في أعماله) ..
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
اللوحات المرفقة تكشف ملامح أسلوب المقطري بوضوح:
1. (المنظر اليمني كموضوع وجودي): تظهر في لوحاته سيطرة الطبيعة اليمنية – الجبال، المدرجات الزراعية، العمارة الطينية. اللوحة ذات الإطار الذهبي التي تصور قرية جبلية متدرجة وسط خضرة كثيفة، ولوحة أخرى لمشهد واسع للمدرجات والقرى تحت الجبال، تؤكد أنه لا يرسم "منظراً" فقط، بل يوثق علاقة الإنسان بالأرض. الألوان الخضراء والترابية المشبعة، وضبط المنظور الأكاديمي، يمنحان المشهد هيبة وعمقاً.
2. (العمارة اليمنية محور بصري): لوحة شبام التاريخية، بلوحاتها الشاهقة وسط الصحراء، ولوحة أخرى لقرية مبنية تحت هضبة صخرية بنفسجية، تظهران دقة في بناء الكتلة المعمارية والضوء. المقطري يتعامل مع المباني ككائنات حية، لا كخلفية. هذا يتوافق مع عمله السابق كمهندس ديكور في القصور الرئاسية.
3. (الرمزية والبعد التعبيري): لا يقتصر على الواقعية. في إحدى اللوحات نرى طيراً ضخماً يحلق فوق مدينة ذات أبراج حجرية، وفي أخرى حصاناً أبيض يندفع وسط ضباب، وفي المقدمة جماجم وغربان. هنا يتحول المشهد إلى استعارة عن الخراب والحرب والموت الذي يطارد الحياة، ما يربط تجربته الشخصية بالهم الجمعي.
4. (البورتريه الأكاديمي): بورتريه "المرشدي" المؤرخ 2003، الموقع باسم الفنان، يظهر حذقاً في تشكيل الوجه والظلال، وقدرة على إبراز الهيبة والهدوء في الملامح. هذا يؤكد تكوينه في البورتريه الملكي بالأردن.
(الأخلاق الفنية والموقف)
""""""""""""'"""""""""""""""""""''""
عُرف ببساطته وتواضعه وانخراطه الاجتماعي. التصق بالعمل النقابي ردحاً من الزمن، لا طمعاً في منصب، بل قناعة بأن الفنان مسؤول عن زملائه. يكره الحيف ويسعى لتقديم خدمة للناس والفن بقدر ما يستطيع.
(التحديات والمعوقات: اغتراب داخل الوطن)
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
داخل اليمن اصطدم المقطري بجدار مركّب من الإهمال المؤسسي والاستهداف الشخصي:
- (ضياع التراث الفني): فقدت أو سرقت أو تلفت معظم أعماله المبكرة في الجنوب والشمال، خاصة خلال إقامته في صهاريج الطويلة بكريتر، وبعد أن اخترق صاروخ مقر سكنه في صنعاء، وتعرضت متعلقاته للتخريب من حاقدين.
- (استهداف مباشر): بسبب عمله في أماكن حساسة كالقصور الرئاسية، تعرض للترصد. كاد حادث سيارة مدبّر أن يودي بحياته، وأصاب عموده الفقري إصابة لا يزال يعاني منها.
- (انهيار الحماية المعيشية): انقطع راتبه ومعاشه، ليفقد أبسط مقومات الحياة الكريمة.
- (اغتراب داخلي): بعد وفاة والدته وكثرة تنقلاته، وجد نفسه بلا استقرار. تزوج مرتين بحثاً عن سكن نفسي، لكنه لم يوفق، وفقد حتى المسكن الذي كان يأوي إليه. يعيش اليوم وحيداً في مكان بسيط، بعزة نفس وكرامة، لكن بلا اهتمام من الجهات المعنية بالثقافة والفنون.
(القدرات والإبداع الضائع)
""""""""""""""""""""""""""'"""""""""
ما تبقى من أعماله، وما يظهر في هذه الصور، يكفي لإثبات حجم الخسارة. يدٌ درّبتها أكاديمية صارمة، وعينٌ ترى التوازن والانسجام، وروحٌ تضع في اللوحة أيامها ولياليها. لكن هذا الرصيد تبعثر "مع أدراج الرياح" بسبب ظروف أمنية وسياسية واجتماعية وأحقاد شخصية.
(خاتمة: استحقاق التأهيل)
""""""'""""""""""""""""""""""""""""
قضية داوود راجح ليست قضية فرد. هي اختبار لضمير المؤسسة الثقافية: هل نحتفي بمن درس وأتقن وخدم، أم نتركه يذوي في الظل؟ هذا الفنان يستحق رعاية تعيد له الحد الأدنى من الأمن النفسي والمعيشي، وتفتح له نافذة ليعوّض ما فقد، ويضيف ما تبقى في جعبته. التكريم المتأخر خير من النسيان، والاعتراف واجب قبل أن يصبح الاسم ذكرى.
بقلم علي الذرحاني
مستشار وزارة الثقافة لشؤون الفنون التشكيلية -عدن





