آخر تحديث :الخميس-03 سبتمبر 2026-01:45ص

من عظماء أبين: البروفيسور الميسري

الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 10:59 م
المحامي مختار راجح



كتب المستشار والباحث مختار راجح


يا أبينُ المجدُ إنَّ المجدَ منبتُهُ

فيكِ الرجالُ، وفيكِ العزمُ والأثرُ


وفي ثراكِ إذا ما قيلَ من صنعوا

للعلمِ صرحًا، بدا في الأفقِ القمرُ


ما ضاعَ جهدُ الأُلى شادوا منابرَهُ

ولا تنكَّرَ للتاريخِ من شكروا


فالمجدُ يبقى لمن يبني ويصونُهُ

وليس من المجدِ أن نبني ونندثرُ


---


قبل سنوات طوال، كانت أبين تحتكم إلى الجهد والعذاب، وكان الطريق إلى التعليم فيها أشبه برحلةٍ شاقةٍ بين الحاجة والحرمان، وكان أبناؤها يتنقلون من مكان إلى مكان، يحملون أحلامهم كما يحمل المسافر زاده، ويبحثون عن نافذةٍ يطلون منها على مستقبلٍ يليق بهم وبأرضهم.


ثم شاء الله أن يأتي زمنٌ بدأت فيه أبين تسترد بعضًا من حقها في التعليم، وأن يظهر في سجلها رجلٌ ترك أثرًا لا يُنكر؛ المحافظ أبوبكر حسين، الذي كان له حضورٌ بارز في صناعة هذا الصرح التعليمي، ووضع اللبنات الأولى لمشروعٍ لم يكن مجرد جدرانٍ تُرفع، وإنما حلمٌ كان ينتظر من يحوله إلى حقيقة.


فالمنجز الكبير لا تصنعه الحجارة وحدها، ولا ترفعه الخرسانة وحدها؛ إنما تصنعه الإرادة، وتحرسه الإدارة، وتبقيه حيًّا القدرة على فهم قيمته وحجم الحاجة التي أنشئ من أجلها.


وهنا يأتي الحديث عن رجلٍ أرى أن من الإنصاف أن يُكتب اسمه في سجل عظماء أبين، لا من باب المجاملة، ولا من باب صناعة الألقاب، وإنما من باب إعطاء كل ذي جهدٍ حقه.


إنه البروفيسور الميسري.


فالرجل لم يتعامل مع جامعة أبين باعتبارها مبنى أُنجز وانتهى الأمر، وإنما تعامل معها باعتبارها مشروعًا حيًّا؛ يكبر بالعلم، وينمو بالإدارة، ويتقدم بحسن التقدير، ويحتاج إلى عقلٍ يدرك أن المحافظة على المنجز قد تكون أصعب من إنشائه.


ومن يعرف قيمة المؤسسات يعرف أن البناء الحقيقي يبدأ بعد افتتاح الأبواب.


فكم من مشروعٍ عظيم وُلد كبيرًا ثم صغر بأيدي من لم يعرفوا قيمته، وكم من صرحٍ شُيّد بالجهد والمال ثم ذبل حين غاب عنه العقل الذي يحسن إدارته، وكم من منجزٍ كان يمكن أن يصبح عنوانًا للنهضة فإذا به يتحول إلى مجرد ذكرى جميلة.


أما جامعة أبين، فقد وجدت في البروفيسور الميسري رجلًا ينظر إلى المستقبل بعين المسؤول، وإلى الحاضر بعين العامل، وإلى المنجز بعين الحارس.


هو لا يدير مؤسسة فحسب، بل يدير فكرة.


ولا يرعى مبنى فحسب، بل يرعى رسالة.


ولا يتعامل مع الأرقام واللوائح بوصفها أوراقًا جامدة، وإنما ينظر خلفها إلى طالبٍ يريد أن يتعلم، وأستاذٍ يريد أن يعطي، وأسرةٍ تريد أن ترى ابنها في مقعد الجامعة، ومحافظةٍ تريد أن تثبت أن أبين ليست أرضًا للألم وحده، بل أرضٌ قادرة على صناعة العلم والإنسان.


ومن هنا كان حضوره في جامعة أبين إضافةً لا يمكن تجاهلها.


فقد أخذت الجامعة في ظل وجوده تتنفس بروحٍ أكثر اتساعًا، وتتقدم بخطى أكثر انتظامًا، وتبحث عن النمو لا عن البقاء، وعن التطور لا عن مجرد المحافظة على الموجود.


وهذه هي قيمة الإدارة حين تكون الإدارة وعيًا لا وظيفة، ومسؤوليةً لا منصبًا، ورسالةً لا كرسيًا.


لقد أثبت الميسري أن بعض الرجال لا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي يُعرف أثرهم؛ تكفي المؤسسات التي تتحرك من حولهم، والنتائج التي تظهر أمام الناس، والمسافة التي يقطعها العمل حين يكون وراءه عقلٌ يعرف أين يبدأ وإلى أين يريد أن يصل.


وفي أبين رجالٌ كثيرون يستحقون الإنصاف، لكن الإنصاف لا يكون بتوزيع الألقاب جزافًا؛ وإنما بأن نقول لمن أحسن: أحسنت، ولمن بنى: لك حق البناء في ذاكرة الناس، ولمن حفظ المنجز وطوره: إن ما تفعله ليس عابرًا.


ولذلك أقولها دون تردد:


البروفيسور الميسري واحدٌ من الوجوه التي تستحق أن تُذكر حين نتحدث عن عظماء أبين؛ لأنه لم يكتفِ بأن يرث منجزًا، بل حاول أن يمنحه عمرًا جديدًا، وأن يدفع به إلى الأمام، وأن يجعل من جامعة أبين مؤسسةً تنمو كلما كبر طموح أبنائها.


فالمحافظ الذي وضع حجر الأساس في ذاكرة المشروع له حقه من التقدير، والرجل الذي حمل المشروع بعد ذلك، وأداره، ووسّع آفاقه، وسعى إلى تطويره، له حقه كذلك.


وهكذا تُكتب صفحات الأوطان:


رجلٌ يضع الحجر، ورجلٌ يرفع البناء، ورجلٌ يحرسه من أن يسقط.


وإذا كانت أبين قد عانت طويلًا من قسوة الطريق، فإن أجمل ما يمكن أن يُهدى لأبنائها هو طريقٌ إلى العلم لا يُغلق، وجامعةٌ لا تتراجع، ومؤسسةٌ كل يومٍ تقول لأبنائها:


هنا أبين… وهنا العلم… وهنا يبدأ المستقبل.


فطوبى لمن جعل من منصبه خدمة، ومن علمه رسالة، ومن مسؤوليته أمانة، ومن نجاح المؤسسة التي يقودها شاهدًا على صدق ما يحمل من نية وعزم.


والتحية لكل يدٍ بنت، ولكل عقلٍ أدار، ولكل قلبٍ أحب أبين دون ضجيج.


فالرجال لا تُقاس بما يقولون عن أنفسهم، وإنما بما تتركه أيديهم حين يغادرون.


وأبين، التي عرفت التعب، تستحق أن تعرف أيضًا أسماء الذين خففوا عنها بعضًا من عناء الطريق.


ومن هؤلاء، في تقديري،

البروفيسور الميسري.