آخر تحديث :الخميس-03 سبتمبر 2026-12:33م

ندوى الدوسري.. حين تتكلم اليمن من قلب العاصفة

الخميس - 03 سبتمبر 2026 - الساعة 10:28 ص
جمال صالح لهطل


ليس كل من يقف أمام العالم ممثلاً لليمن يستطيع أن يتحدث باسم اليمن.

هذه الحقيقة بدت أكثر وضوحًا حين وقفت الباحثة اليمنية ندوى الدوسري أمام الكونغرس الأميركي، لا لتقدم خطابًا دبلوماسيًا مصقولًا، ولا لتكرر عبارات محفوظة، وإنما لتضع اليمن بكل جراحه وأسئلته وتعقيداته على الطاولة، وتقول ما تعتقد أنه يجب أن يُقال.

قد يختلف البعض مع بعض آرائها أو تقديراتها السياسية، وهذا حق مشروع، لكن من الصعب تجاهل حقيقة واحدة: ندوى الدوسري استطاعت أن تفعل ما عجز عنه كثيرون ممن امتلكوا المنابر الرسمية، والبدلات الدبلوماسية، والإمكانات التي وفرتها لهم الدولة لتمثيل اليمن.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.

امرأة يمنية تقف بعيدًا عن مكاتب السلطة، تحمل معها سنوات طويلة من البحث والعمل الميداني، وتخاطب مؤسسة سياسية أميركية مؤثرة، بينما كان يفترض أن تكون المنابر الدولية مزدحمة بأصوات يمنية قادرة على تقديم قضية بلادها بوضوح وقوة.

ندوى ليست وليدة اللحظة.

هي باحثة متخصصة في شؤون النزاعات اليمنية، ولها أكثر من عشرين عامًا من العمل الميداني في اليمن، وشاركت كتاباتها وأبحاثها في مؤسسات ومراكز دراسات دولية بارزة.

لكن ما يلفت في تجربتها ليس عدد المؤسسات التي كتبت فيها، ولا المنابر التي ظهرت عبرها، وإنما قدرتها على تحويل المعرفة إلى موقف.

وهذه هي النقطة التي نفتقدها كثيرًا.

فالمعرفة بلا موقف تتحول إلى أوراق، والموقف بلا معرفة يتحول إلى صراخ، أما حين تجتمع المعرفة بالشجاعة، فإنها تصبح قوة ناعمة قادرة على الوصول إلى أماكن قد تعجز عنها الدبلوماسية التقليدية.

امرأة تذكّر اليمنيين بأن الهوية ليست شعارًا

في خطابها وحضورها، لا تتعامل ندوى مع اليمن باعتباره ملفًا سياسيًا عابرًا، بل باعتباره وطنًا له تاريخ وهوية وذاكرة.

وحين تستحضر تاريخ المرأة اليمنية، من ملكة سبأ إلى بلقيس وأروى، فإنها لا تستدعي التاريخ للزينة، وإنما لتقول للعالم إن المرأة اليمنية لم تكن يومًا هامشًا في قصة اليمن.

فالمرأة التي عرفت القيادة في سبأ، والتي تركت أثرًا في تاريخ اليمن السياسي والحضاري، ليست امرأة عاجزة عن صناعة الحاضر.

وهنا تصبح ندوى الدوسري نموذجًا معاصرًا لامتداد طويل من الحضور اليمني للمرأة: امرأة تعرف تاريخها، وتفهم حاضرها، وتريد أن يكون لها دور في صناعة مستقبل بلادها.

انتصار الصوت الحر

ربما كان أهم ما كشفته تجربة ندوى هو أن تمثيل اليمن لا يُقاس بالصفة الرسمية وحدها.

الدبلوماسي يحمل صفة، والباحث يحمل معرفة، والسياسي يحمل منصبًا، لكن الذي يصنع التأثير هو القدرة على امتلاك الحجة والشجاعة واللغة التي يفهمها العالم.

ولهذا بدا صوت ندوى، في نظر كثير من اليمنيين، أكثر حضورًا من أصوات يمنية رسمية اعتادت الظهور في المؤتمرات والفعاليات الدولية.

وهذه ليست إدانة لكل الدبلوماسيين، لكنها صفعة للأسلوب الذي جعل بعض التمثيل اليمني مجرد حضور بروتوكولي بلا أثر حقيقي.

فماذا يعني أن تُصرف الأموال من خزينة الدولة على تمثيل اليمن في الخارج، ثم يأتي شخص لا يحمل منصبًا رسميًا ليقول للعالم ما لم نستطع قوله نحن؟

السؤال موجع، لكنه ضروري.

المشكلة ليست في اليمنيين.. المشكلة في القيادة

تجربة ندوى تفتح بابًا أوسع من مجرد الإعجاب بشخصية يمنية.

إنها تجعلنا أمام سؤال حقيقي:

هل تعاني اليمن من أزمة كفاءات، أم من أزمة قيادة؟

اليمن مليء بالعقول، والباحثين، والأكاديميين، والنساء والرجال الذين يستطيعون تمثيل بلدهم بصورة أفضل.

لكن الأزمة تبدأ عندما تصبح المواقع العامة امتيازًا، لا مسؤولية، وعندما يتحول التمثيل الخارجي إلى حضور شكلي، وعندما تُقاس الكفاءة بالقرب من مركز القرار بدلًا من القدرة على صناعة القرار والتأثير فيه.

ندوى الدوسري قدمت، من حيث أرادت أو لم ترد، درسًا في معنى أن يكون الإنسان يمنيًا قبل أن يكون موظفًا أو مسؤولًا أو دبلوماسيًا.

لقد قالت للعالم إن اليمن ليس مجرد حرب، وليس مجرد أزمة إنسانية، وليس مجرد جماعة مسلحة وملف تفاوضي.

اليمن وطن له شعب، وتاريخ، وهوية، ودولة ينبغي أن تستعيد عافيتها.

من البحث إلى العمل

الأهم في تجربة ندوى أنها لم تحصر نفسها في قاعات المؤتمرات.

تجربتها امتدت إلى العمل الميداني والبحث في النزاعات والقبائل والحوكمة والمجتمع اليمني، وهي مجالات تحتاج إلى الاقتراب من الناس لا الاكتفاء بالنظر إليهم من بعيد.

وهنا يمكن فهم سر قوتها.

هي لا تتحدث عن اليمن من الكتب فقط، وإنما من تجربة طويلة في فهم مجتمعاته وتناقضاته وصراعاته.

ولهذا حين تتحدث، تشعر أن وراء الكلمات سنوات من الاحتكاك بالواقع.

رسالة إلى الدبلوماسيين

ولعل أقسى ما تقوله قصة ندوى للدبلوماسيين اليمنيين هو:

لا يكفي أن تحمل جوازًا دبلوماسيًا لكي تمثل اليمن.

تمثيل اليمن مسؤولية ثقيلة.

يعني أن تعرف تاريخ البلد، وأن تفهم جراحه، وأن تمتلك القدرة على الدفاع عن مصالحه، وأن تقول الحقيقة عندما تكون الحقيقة مؤلمة، وأن تجعل العالم يسمع صوت اليمن لا صوت الوظيفة.

ليس المطلوب من الدبلوماسي أن يكون خطيبًا، بل أن يكون مؤثرًا.

وليس المطلوب منه أن يحضر المؤتمرات، بل أن يعود منها بنتائج.

وليس المطلوب أن يلتقط الصور، بل أن يترك أثرًا.

وهذه هي الرسالة التي بعثتها ندوى، من دون أن تحتاج إلى منصب رسمي.

ندوى ليست القضية وحدها

أنا شخصيًا لا أعرف ندوى الدوسري معرفة شخصية، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: الكلمة الصادقة تستطيع أن تصل حتى لو لم تعرف صاحبها.

وما أعجبني في تجربتها ليس لأنها امرأة فقط، ولا لأنها باحثة فقط، وإنما لأنها قدمت صورة لليمني الذي يستطيع أن يقف أمام العالم مرفوع الرأس، متحدثًا عن بلده بثقة، وعن قضيته بوضوح، وعن هويته دون خجل.

لقد أثبتت أن المرأة اليمنية ليست مجرد متلقية للأحداث، بل قادرة على صناعتها.

وأن اليمنية تستطيع أن تكون باحثة، ومفكرة، وصاحبة موقف، وقيادية، وصوتًا مسموعًا في أكبر المؤسسات الدولية.

أخطر ما كشفته ندوى

ربما لا تكمن أهمية ظهور ندوى الدوسري في أنها تحدثت أمام الكونغرس فقط.

الأهمية الحقيقية أنها جعلتنا ننظر إلى أنفسنا ونسأل:

كم من ندوى يمنية أخرى لدينا؟

وكم من عقل يمني جرى تهميشه؟

وكم من امرأة يمنية قادرة على القيادة لم تحصل على الفرصة؟

وكم من دبلوماسي يحمل لقبًا رسميًا، لكنه لا يمتلك نصف تأثير باحث يعمل بإمكاناته الخاصة؟

هنا تصبح القضية أكبر من ندوى.

إنها قضية اختيار من يمثل اليمن، ومن يصنع القرار، ومن يملك القدرة على إقناع العالم بقضية وطنه.

لقد أعطتنا ندوى الدوسري درسًا في الوطنية لا بالشعارات، وإنما بالفعل.

وأعطت مراكز الدراسات والباحثين والناشطين درسًا في أن العمل الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى منصب.

وأعطت المرأة اليمنية رسالة تقول:

لا تنتظري أن يمنحك أحد دورًا في صناعة المستقبل... اصنعي حضورك، وامتلكي معرفتك، وقولي كلمتك.

أما الرسالة الأقسى، فهي للقيادات التي ما زالت تعتقد أن الأزمة في اليمن أزمة إمكانات.

لا.

اليمن لا يعاني فقط من نقص الإمكانات؛ اليمن يعاني من أزمة اختيار وأزمة قيادة وأزمة ثقة بالكفاءات.

وعندما تستطيع امرأة يمنية واحدة أن تجعل قضية بلدها مسموعة في واحدة من أهم المؤسسات السياسية في العالم، فإن السؤال لم يعد:

ماذا تستطيع ندوى أن تفعل؟

بل أصبح:

ماذا كان يمكن أن يفعل اليمن لو أُعطيت الكفاءات اليمنية فرصة حقيقية؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي ألا ينام.