منذ أن عرف الإنسان معنى العدالة، والصراع قائم بين الحق والباطل، لا لأن الحق ضعيف، بل لأن الباطل كثيرًا ما يتزيّن بالقوة والمال والنفوذ. ومع ذلك، يبقى الفرق بينهما أن الحق يستند إلى القيم والضمير، بينما يقوم الباطل على الظلم والخداع وأكل الحقوق.
قد يظن الظالم، وهو يجمع المال بغير حق أو يعتدي على حقوق الضعفاء، أن الزمن قد ابتسم له، وأن الباطل قد انتصر. لكنه يغفل حقيقة ثابتة أثبتها التاريخ قبل أن تنطق بها الحكم: أن الباطل قد يعلو صوته، لكنه لا يعلو مقامًا، وقد يطول بقاؤه، لكنه لا يدوم.
إن الذين يأكلون حقوق الفقراء ويعتدون على المال العام أو الخاص، قد يملكون اليوم سلطانًا أو جاهًا، لكنهم لا يملكون القدرة على تغيير سنن الحياة. فالحقوق لا تموت بالتقادم، والعدل قد يتأخر، لكنه لا يغيب إلى الأبد.
لقد شهد التاريخ دولًا وجبابرة ظنوا أن سلطانهم خالد، فلما استعلى الباطل واستكبر، كانت نهايته من حيث لم يحتسب. وما أكثر الذين حسبوا أن الذهب يحميهم، فإذا بهم يرحلون ولا يبقى إلا أثر أعمالهم، خيرًا كان أو شرًا.
ولهذا قيل قديمًا: "الحق أبلج، والباطل لجلج." فالحق واضح لا يحتاج إلى كثرة التبرير، أما الباطل فيعيش على التزييف والمراوغة، ويكثر من الأعذار لأنه يفتقر إلى الحجة.
إن المعركة بين الحق والباطل ليست معركة سلاح فحسب، بل هي معركة ضمير ومبدأ وصدق. وقد يخسر أصحاب الحق جولة، لكنهم لا يخسرون القضية إذا ثبتوا على مبادئهم، بينما يكسب أصحاب الباطل جولات مؤقتة، ثم يسقطون تحت ثقل ظلمهم.
فالرهان الحقيقي ليس على من يملك القوة اليوم، بل على من يملك الحق. لأن الحق يبقى منارة تهدي الأجيال، أما الباطل فمصيره أن يتهاوى مهما ارتفع بناؤه، ومهما أحاط نفسه بالحصون.
ويبقى اليقين الذي لا يتغير: أن الحق لا يحتاج إلا إلى صبر أصحابه، أما الباطل فيحتاج كل يوم إلى كذبة جديدة ليواصل البقاء.