رحل أخي الثاني "عبدالله"، ومضى في رحلته نحو الخلود الأبدي، تاركاً وراءه تعب السنين وشقاء الأيام.
خَرج من ضيق هذه الدنيا ونكدها إلى رحابة الآخرة، موحِّداً، وراجياً رحمة ربٍّ رحيم ودود.
حين يفقد الإنسان قريباً أو عزيزاً، يعيش هزة وجدانية عنيفة، وتعتصره حسرة الفقد ومرارة الغياب، وهو شعور إنساني طبيعي لا مفر منه. لكن الفقد حين يطال "الأخ"، فإن الفاجعة تأخذ منحىً آخر؛ فالأخ ليس مجرد قريب، بل هو قطعة من الروح وجزء لا يتجزأ من الكيان.
قد يُعوَّض الأبناء، وتُعوَّض الزوجة، لكن الأخ جدارٌ متين إذا سقط لا يُعوّض أبداً.
هنا تكمن الغصة، ويشتد الحزن، ويجد المرء نفسه فجأة في مواجهة عواصف الحياة ومتطلباتها وحيداً بلا سند.
ما أصعب فراق الأحبة، والأصعب منه أن تراهم يتساقطون تباعاً كحبات المسبحة إذا انفرط عقدها، وكأن الأقدار تضاعف عليك ثقل الألم بتراكم الفقد.
فقدت ولداي ثم زوجتي ثم اخي صالح واليوم يلحق بهم اخي عبدالله في سلسلة مترابطة من الاعزاء.
في لحظات كهذه ، ترهق النفس، ويصبح المرء في حالة ترقّب لدوره المحتوم؛ فبعد أن يفرّق القدر بينك وبين من تحب، ولا يبقى سواك، لا يملك العقل إلا أن يستيقظ من غفلته، ليدرك أن هذه المشاهد الحية ما هي إلا حلقات من مسلسل الحياة المتواصل الذي يقترب في كل لحظة من مشهده الأخير.
إنها الحقيقة الناصعة لهذه الحياة الدنيا: سرورها محدود، وحزنها ممدود، ولا ينفع الإنسان في منتهاها إلا ما قدّم من عمل صالح يقف به بين يدي رب الوجود.
رحمتك يا رب.. ولطفك بقلوبٍ أرهقها الفراق.