آخر تحديث :الخميس-03 سبتمبر 2026-12:33م

حادثة مسجد النور.. الإرهاب يبدأ بالكلمة قبل أن يصل إلى القنبلة

الخميس - 03 سبتمبر 2026 - الساعة 11:40 ص
بكري العولقي


حادثة ليلة أمس في مسجد النور بحي الخساف بمدينة كريتر لا يمكن أن تمر مرور الكرام، ولا ينبغي التعامل معها على أنها مجرد واقعة فردية أو تصرف عابر يمكن تفسيره سريعًا بدواعٍ نفسية أو ظروف شخصية، كما يحاول البعض أن يفعل. فمثل هذه الحوادث، عندما تقع داخل بيوت الله وتمس أمن المصلين وسلامتهم، تستوجب الوقوف أمامها بجدية ومسؤولية، والبحث في الأسباب التي أفضت إليها، وعدم الاكتفاء بمعالجة نتائجها فقط.


إن ما حدث في مسجد النور يكشف عن واقع مقلق، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن هناك تحديات فكرية ومجتمعية باتت تستوجب المواجهة بالحكمة والقانون. وإذا لم يتم التعامل مع هذه المؤشرات بوعي ومسؤولية، فإن انعكاساتها قد تكون خطيرة على السلم الأهلي والأمن المجتمعي، وقد تمس واحدة من أهم القيم التي عُرفت بها مدينة عدن عبر تاريخها، وهي قيمة التعايش والتسامح والاعتدال.


عدن لم تكن يومًا مدينة للتشدد أو الغلو أو التطرف، بل كانت ولا تزال مدينة مدنية احتضنت الجميع على اختلاف مذاهبهم وأديانهم وأعراقهم. عُرفت بتاريخها العريق، وبثقافتها المنفتحة، وبقدرتها على استيعاب التنوع، حتى أصبحت نموذجًا فريدًا للتعايش السلمي في المنطقة. ففي أحيائها وأسواقها ومساجدها وكنائسها عاش الناس لعقود طويلة في أجواء يسودها الاحترام المتبادل، بعيدًا عن خطابات الكراهية والإقصاء.


غير أن ما يبعث على القلق اليوم هو تصاعد بعض الخطابات المتشددة التي تقوم على احتكار الحقيقة وتخوين الآخرين أو تكفيرهم، وهي خطابات لا تخدم الدين، بل تسيء إليه، لأنها تزرع الفرقة وتغذي التعصب، وتفتح الباب أمام ممارسات وسلوكيات قد تتحول إلى تهديد حقيقي لأمن المجتمع واستقراره إذا لم يتم التصدي لها وفق القانون، وبالوسائل الفكرية والتوعوية المناسبة.


إن حادثة مسجد النور لا تستوجب فقط إدانة الشخص الذي هدد أمن المسجد والمصلين، فهذا أمر بديهي، وإنما تستوجب أيضًا البحث في البيئة الفكرية التي قد تساهم في إنتاج مثل هذه السلوكيات، ومراجعة كل خطاب يحرض على الكراهية أو يبث روح العداء بين أبناء المجتمع، لأن التطرف لا يبدأ بالفعل، وإنما يبدأ بالفكرة، ثم بالكلمة، قبل أن يتحول إلى ممارسة تهدد الجميع.


ولذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع؛ الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية، والمؤسسات الدينية، والعلماء، والمثقفين، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، للعمل على حماية المجتمع من خطاب الكراهية، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، والحفاظ على هوية عدن المدنية التي شكلت عبر التاريخ مصدر فخر لكل أبنائها.


إن حماية المساجد ودور العبادة، وصون أمن المواطنين، والحفاظ على التعايش المجتمعي، ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. وما حدث في مسجد النور يجب أن يكون جرس إنذار يدفع الجميع إلى التحرك قبل أن تتكرر مثل هذه الحوادث، وحتى تظل عدن مدينةً للتسامح والمحبة والسلام، كما عرفها التاريخ، وكما يريدها أبناؤها.