آخر تحديث :الأربعاء-09 سبتمبر 2026-11:34ص

من هرمز إلى باب المندب.. عندما تتحول الجغرافيا إلى سلاح

الخميس - 03 سبتمبر 2026 - الساعة 06:57 م
علي هادي الأصحري


لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُقاس بالصواريخ والطائرات وحدها. فهناك معركة أخرى تجري على الماء عند المضائق والموانئ وخطوط التجارة التي تحمل الطاقة والغذاء والبضائع إلى العالم.


وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيقا هرمز وباب المندب. الأول يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية والثاني بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. وأي اضطراب متزامن فيهما لن يبقى محصوراً في حدود المنطقة بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي.


تحت ضغط التصعيد الإقليمي تتعرض حركة الملاحة في هرمز لمخاطر متزايدة. فيما لا يزال البحر الأحمر وباب المندب تحت وطأة تهديدات أمنية تدفع شركات الملاحة إلى إعادة حساباتها مراراً.

هرمز يضغط على الطاقة وباب المندب يضغط على التجارة.


وهنا تبدأ مسؤولية اليمن.

فباب المندب ليس مجرد ممر بحري بل جزء من الجغرافيا والسيادة اليمنية وواحد من أهم أبواب البلاد على العالم. غير أن الحرب والانقسام حولا هذه الميزة الاستراتيجية إلى ورقة قابلة للاستخدام في صراعات إقليمية تتجاوز مصالح اليمنيين.


ظهرت تقارير عن استعدادات حوثية للضغط على الملاحة إذا اتسعت المواجهة الإقليمية. في وقت نفت فيه الجماعة وجود قرار بإغلاق المضيق. لكن في السياسة لا تحتاج المخاطر دائماً إلى التنفيذ. فمجرد التلويح بتهديد الملاحة كفيل برفع تكاليف التأمين وتغيير مسارات السفن وإرباك الأسواق.


والسؤال الأهم هنا ليس فقط: من يطلق النار من الساحل؟

بل من يملك قرار البحر؟


لا يمكن لجماعة مسلحة أن تتعامل مع باب المندب باعتباره ملكية خاصة. كما لا يجوز أن تتحول حماية الملاحة الدولية إلى ذريعة لانتزاع القرار اليمني أو تحويل السواحل اليمنية إلى ساحة صراع مفتوحة.


المعادلة التي يحتاجها اليمن واضحة: سيادة وطنية وبحر آمن وملاحة دولية حرة.

اليمن ليس ذراعاً لأي محور ولا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. مصلحته الوطنية يجب أن تكون فوق حسابات الآخرين.


والأمر المؤلم أن العالم ينظر إلى باب المندب باعتباره شرياناً للتجارة الدولية بينما يراه اليمنيون من زاوية بلد أنهكته الحرب والفقر والانقسام. وكل اضطراب جديد في الملاحة قد ينعكس على أسعار الوقود والنقل والسلع ليدفع المواطن اليمني ثمن أزمة لم يصنعها.


لكن باب المندب يمكن أن يكون أكثر من ذلك بكثير. يمكن أن يتحول من ساحة صراع إلى ورقة قوة ومن مصدر للخطر إلى بوابة للاستثمار والتجارة والنقل البحري والخدمات اللوجستية. وذلك إذا امتلك اليمن دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على حماية مصالحه.


الموقع موجود والفرصة موجودة. لكن ما ينقص هو الدولة القادرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة سياسية واقتصادية.


ومن هنا فإن استعادة الدولة اليمنية ليست مجرد قضية داخلية. بل ضرورة لحماية أهم أوراق القوة الاستراتيجية في البلاد.


إن ما يجري من هرمز إلى باب المندب يؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراع. فمن يهدد خطوط الطاقة يستطيع الضغط على الأسواق ومن يهدد خطوط التجارة يستطيع الضغط على العالم. ولهذا يجب ألا يبقى اليمن متفرجاً على جغرافيته.


باب المندب ليس ملكاً لجماعة ولا ورقة بيد محور ولا ساحة لتصفية الحسابات. إنه جزء من مستقبل اليمن وسيادته ومصالحه.


المطلوب ليس إغلاق باب المندب ولا تحويله إلى جبهة جديدة. وإنما أن يكون آمناً مفتوحاً وتحت قرار يمني مسؤول.


فالمعركة الحقيقية ليست على المضيق وحده. بل على من يملك القرار ومن يملك مستقبل اليمن.