آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-02:23م

من تاريخ الكوفة إلى مشهد اليمن: عندما يغري التراخي الخصم بالتمادي.!

الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - الساعة 05:37 م
منصور بلعيدي


في القراءة التاريخية للصراعات، لا تتشابه الأحداث في شخوصها وشكلياتها فحسب، بل في منطقها الاستراتيجي ونتائجها المتوقعة.

ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الهام الذي يطرحه المراقبون للشأن الاقليمي حول "العامل المشترك" بين منهجية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في التعامل مع الخوارج، وبين التعاطي السعودي الحالي مع الجماعة الحوثية في اليمن؛

تعاطٍ يراه المتابعون محاولة لإبقاء أبواب السلام مفتوحة، بينما يفسره الخصم كنوع من التراخي في موضع يحتاج الشدة.

ان ​النهج العلوي الذي حمل التسامح المبكر مع الخوارج كان الخطأ الاستراتيجي القاتل الذي اطاح براس امير المؤمنين علي بن ابي طالب.


ف​حين أعلن الخوارج عصيانهم وكفروا المجتمع ورفعوا السلاح، لم يشرع الخليفة علي بن أبي طالب في استئصالهم عسكرياً، بل قدم لهم رؤية قائمة على إعطاء الحقوق والتزام المسئوليات.

فأعطاهم ثلاثاً:

- ​ألا يُمنعوا من مساجد الله.

- ​أن يُقاسموا الفيء ما دامت أيديهم مع الجماعة.

- ​ألا يبدأهم عليٌّ بقتال.

​وفي المقابل، اشترط عليهم ثلاثاً حازمة:

- ألا يؤذوا ذمياً،

- ولا يقطعوا سبيلاً،

- ولا يقتلوا نفساً.


​كان هذا الموقف ينطلق من أفق أخلاقي رفيع ورغبة في حقن الدماء، إلا أن التراخي السياسي والعسكري في البداية مع جماعة متطرفة عقائدياً تُكفّر مخالفها ولا تؤمن بالشراكة، تحول إلى خطأ استراتيجي فادح.

فما إن أَمِن الخوارج جانب الدولة حتى استمروا في شحن أتباعهم وقتل الابريآء، مما أجبر الخليفة في النهاية على مواجهتهم في نهروان، ثم قاد ذلك المناخ المعقد إلى حادثة اغتياله الفاجعة.

واليوم نرى ​السعودية تمارس نفس ااتىاهي مع الحوثيين وكأن التاريخ يعيد نفسه!!


ف​إذا انتقلنا إلى المشهد المعاصر، نجد تشابهاً لافتاً في العقلية السياسية التي تدير بها المملكة العربية السعودية الملف اليمني في مراحله الأخيرة.

فبعد سنوات من المواجهة العسكرية، اتجهت الرياض نحو إتاحة فرص السلام، وتقديم المبادرات، وتسهيل إجراءات الهدنة، والقبول بفتح المنافذ والموانئ، ورعاية المفاوضات لتجنب خيار التصعيد النهائي.

​لكن المحذور الاستراتيجي يحب التنبيه إليه ، هو أن الجماعات العقائدية المؤدلجة -سواء كانت خوارج الأمس أو حوثيي اليوم- لا تفسر اليد الممدودة أو التهدئة السياسية إلا باعتبارها ضعفاً وتراجعاً.


فالحوثيون، ك الخوارج تماماً:

​لا يوفون بالعهود والالتزامات الأهلية.

​يستغلون فترات التهدئة لإعادة الحشد والتمكين.

​يرون في الحقوق الممنوحة لهم مجرد مكاسب مجانية دون تقديم تنازلات حقيقية في بناء الدولة وإلقاء السلاح.

​إن الدرس القاسي الذي يقدمه التاريخ السحيق والمعاصر هو أن التراخي مع الخصم العقائدي لا يغير من طبيعته، بل يُغربه بالاستمرار.

إن السياسة الناجحة تقتضي التوازن الدقيق؛ فلا يُترك المجال للخصم ليتغذى على التسامح، ولا تُعطى له الفرصة ليحول المرونة السياسية إلى خنجر في ظهر الجهة المبادرة بالسلام.

​يبقى السؤال قائماً ومفتوحاً أمام صناع القرار: هل يستوعب المشهد الإقليمي دروس الماضي ليقطع الطريق على سيناريوهات التاريخ المكررة، أم أن المراهنة على تغير سلوك الجماعات العقائدية ستظل تكرر نفس الأخطاء بنفس النتائج؟!

ان العبرة من التاريخ نقتضي وضع الشدة في موضعها.