محور أصول القضاء والتفسير والتأصيل الشرعي
أخطاء المشرع في تنظيم مجال البحث في الشريعة الإسلامية والقانون أمام القاضي
دراسة قانونية وتأصيلية مقارنة بالفقه الإسلامي والقضاء والتشريع المصري
تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح
---
مقدمة
ليس أخطر على العدالة من قاضٍ لا يملك إلا ظاهر النص، وليس أخطر من ذلك أن يملك القاضي أبواب الاجتهاد ثم يدخلها بلا منهج.
وبين الجمود والانفلات تقوم مساحة دقيقة هي مساحة الاجتهاد القضائي المنضبط؛ حيث لا يكون القاضي أسيرًا لحرفٍ يعجز عن تحقيق العدل، ولا يصبح في الوقت نفسه مشرعًا جديدًا ينشئ حكمًا من عنده.
وهنا تظهر أهمية النصوص التي أحال فيها المشرع إلى الشريعة الإسلامية أو فتح فيها مجال الرجوع إليها عند غياب النص.
فإذا كان الدستور اليمني قد جعل الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات، فإن البحث عن الحكم الشرعي لا يمكن أن يعد خروجًا عن القانون، بل قد يكون في بعض الحالات تنفيذًا للقانون نفسه، متى كان القانون قد أحال إلى الشريعة أو ترك مجالًا للاجتهاد في المسائل التي لم ينظمها نص تشريعي.
غير أن المشكلة تبدأ عندما لا يحدد المشرع:
أي شريعة يقصد؟
وأي مذهب فقهي يُرجع إليه؟
وأي قول من أقوال الفقهاء يكون حجة؟
وهل للقاضي أن يختار بين الأقوال؟
وهل يجوز له أن ينتقل من مذهب إلى آخر؟
وهل يختار الحكم الذي يراه أقرب إلى المصلحة؟
وأين تنتهي سلطة القاضي في البحث، وأين تبدأ سلطة المشرع؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فقهيًا، وإنما تمس صميم مبدأ سيادة القانون.
فالشريعة بحر واسع، والفقه الإسلامي تراث عظيم، والمذاهب الفقهية متعددة، وفي المسألة الواحدة قد نجد أقوالًا كثيرة، وأدلة متعددة، وترجيحات متباينة.
وقد يكون أمام القاضي في المسألة الواحدة قول لأبي حنيفة، وقول لمالك، وقول للشافعي، وقول لأحمد، وأقوال لعلماء من مدارس أخرى، ثم يجد داخل المذهب الواحد روايات ووجوهًا وترجيحات.
فإذا فتح المشرع باب الشريعة ولم يضع للقاضي منهج الدخول إليها، فقد أعطاه مفتاحًا كبيرًا دون أن يحدد له أي الأبواب يفتح.
ومن هنا تقوم هذه الدراسة على فكرة مركزية:
«ليس الخطأ في أن يسمح المشرع للقاضي بالرجوع إلى الشريعة، وإنما الخطأ أن يفتح له باب الاجتهاد دون أن يضع ضوابط منهجية تضمن وحدة التطبيق وتحول دون تحول الاجتهاد القضائي إلى تشريع فردي.»
---
المبحث الأول
الأساس الدستوري للرجوع إلى الشريعة الإسلامية في اليمن
قرر الدستور اليمني أن الإسلام دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات.
وهذا النص لا ينبغي فهمه على أنه عبارة دينية مجردة، وإنما هو قاعدة ذات أثر قانوني ودستوري.
فالمشرع اليمني لا يعمل في فراغ تشريعي، وإنما يعمل داخل منظومة دستورية تجعل الشريعة الإسلامية أصلًا من أصول النظام التشريعي.
ومن ثم فإن القانون الذي يحيل إلى الشريعة لا ينشئ مرجعًا غريبًا عن النظام القانوني، وإنما يستند إلى أصل دستوري قائم.
وهنا يجب التفريق بين أمرين:
الأول: الشريعة باعتبارها مصدرًا دستوريًا للتشريع.
الثاني: الفقه باعتباره جهدًا بشريًا لفهم الأحكام الشرعية واستخراجها وترجيحها.
وهذا التفريق بالغ الأهمية.
فالشريعة شيء، والفقه شيء آخر.
الشريعة في أصلها مرجعية إلهية، أما الفقه فهو فهم العلماء للنصوص والأدلة.
ولهذا لا يجوز أن يتحول قول فقيه إلى ما يشبه النص الدستوري لمجرد أنه قول مشهور في مذهب معين.
---
المبحث الثاني
الخطأ المنهجي في الخلط بين الشريعة والفقه
من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها التطبيق القانوني أن يقال:
«إن هذا هو حكم الشريعة»
بينما المقصود في الحقيقة:
«إن هذا هو قول أحد الفقهاء في المسألة».
والفرق بين العبارتين كبير.
فقد يكون القول الفقهي محل اتفاق، وقد يكون محل خلاف، وقد يكون راجحًا، وقد يكون مرجوحًا، وقد يكون مبنيًا على عرف أو ظرف تاريخي أو اجتهاد في تحقيق المناط.
ومن هنا يجب أن يتعلم القاضي أن يقول:
هذا حكم الشريعة في موضع القطع.
أو:
هذا قول فقهي معتبر.
أو:
هذا اتجاه فقهي راجح.
أو:
هذا اجتهاد اختاره القضاء لتحقيق المصلحة في حدود القانون.
أما أن ينسب كل رأي فقهي إلى الشريعة بإطلاق، ففي ذلك تضييق لمساحة الاجتهاد، وتحويل للخلاف الفقهي إلى خلاف حول حقيقة الشريعة نفسها.
---
المبحث الثالث
تعدد المذاهب الفقهية وأثره في العمل القضائي
لم يعرف الفقه الإسلامي مذهبًا واحدًا في جميع المسائل.
بل نشأت مدارس ومذاهب واتجاهات فقهية متعددة.
ومن أشهر المذاهب السنية:
- المذهب الحنفي.
- المذهب المالكي.
- المذهب الشافعي.
- المذهب الحنبلي.
كما عرفت البيئة الإسلامية مذاهب واتجاهات فقهية أخرى، ومنها:
- المذهب الزيدي.
- المذهب الجعفري.
- المذهب الإباضي.
- مذاهب واتجاهات فقهية تاريخية اندثرت أو ضعف حضورها المؤسسي.
ولم يكن تعدد هذه المذاهب عيبًا في ذاته، وإنما كان نتيجة طبيعية لاختلاف العلماء في فهم النصوص، وفي طرق الترجيح، وفي تحقيق الوقائع والمصالح.
وهذا التراث الضخم يمكن أن يكون ثروة للقاضي.
لكنه يمكن أن يتحول إلى مشكلة إذا لم يكن القاضي ملتزمًا بمنهج.
فالقاضي ليس مؤرخًا للمذاهب، ولا مؤلفًا لكتاب في الخلاف الفقهي، وإنما هو صاحب ولاية قضائية ملزم بأن يصل إلى حكم قضائي يمكن تطبيقه ويستقر به مركز الخصوم.
---
المبحث الرابع
أين أخطأ المشرع؟
الخطأ الذي تتناوله الدراسة ليس في جعل الشريعة مصدرًا للتشريع.
بل في بعض الصياغات التي تسمح بالرجوع إلى الشريعة دون بيان:
1. ترتيب مصادر الحكم.
2. حدود الاجتهاد.
3. معيار اختيار القول الفقهي.
4. أثر العرف.
5. أثر المصلحة.
6. أثر المقاصد.
7. كيفية التعامل مع اختلاف المذاهب.
8. الفرق بين النص القطعي والنص الظني.
9. مدى سلطة القاضي في الترجيح.
10. مدى إلزام الأحكام القضائية السابقة.
11. حدود إنشاء القاعدة القضائية.
12. العلاقة بين القانون المكتوب والقاعدة الشرعية.
ففتح الباب دون تنظيمه قد يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الوقائع المتشابهة.
وهنا تكون المفارقة:
المشرع أراد أن يوسع طريق الوصول إلى العدالة، فإذا بالتوسع غير المنضبط قد يؤدي إلى اختلاف طريق العدالة من قاضٍ إلى آخر.
---
المبحث الخامس
هل للقاضي أن يبحث في جميع المذاهب؟
الأصل أن مجال البحث الفقهي لا ينبغي أن يغلق أمام القاضي إذا كان القانون قد أحاله إلى الشريعة.
لكن البحث شيء، والاختيار شيء آخر.
فليس معنى السماح للقاضي بالبحث في الفقه أن يتحول كل قاضٍ إلى صاحب مذهب مستقل.
بل يجب أن يكون البحث وفق منهج.
ويجب أن يسأل القاضي:
هل يوجد نص تشريعي واجب التطبيق؟
فإن وجد النص، فالأصل تطبيقه وتفسيره في حدود قواعد التفسير.
فإن أحال القانون إلى الشريعة، أو خلا من الحكم في مسألة أجاز القانون الرجوع فيها إلى الشريعة، يبدأ البحث الفقهي.
ثم يبحث القاضي عن:
- النصوص الشرعية.
- القواعد الأصولية.
- مقاصد التشريع.
- أقوال الفقهاء.
- درجة قوة كل قول.
- مدى ملاءمة القول لمحل النزاع.
- عدم مخالفته للنصوص الآمرة.
- عدم تعارضه مع النظام العام.
وعند اختلاف الأقوال لا يكون الاختيار بالهوى، وإنما بالترجيح العلمي.
---
المبحث السادس
خطر اختيار القاضي لمذهب فقهي خاص
إذا أصبح لكل قاضٍ مذهبه الذي يختاره في كل مسألة، فقد نجد:
قاضيًا يرجح الحنفي.
وآخر يرجح المالكي.
وثالثًا يرجح الشافعي.
ورابعًا يرجح الحنبلي.
وخامسًا يأخذ من الزيدي.
وسادسًا ينتقل بين الأقوال بحسب ما يراه أقرب إلى مصلحة القضية.
وهنا تتحول الوحدة القانونية إلى تعدد قضائي.
والخطر ليس في تعدد المذاهب.
فالخلاف الفقهي ثراء.
لكن الخطر في أن يصبح الخلاف الفقهي مصدرًا لاختلاف الأحكام القضائية دون معيار موحد.
ولهذا فإن المذهب الفقهي يمكن أن يكون مصدرًا للبحث، ولكنه لا ينبغي أن يكون ذريعة لهدم وحدة القانون.
---
المبحث السابع
الاجتهاد القضائي بين الحرية والحدود
الاجتهاد القضائي ضرورة في كل نظام قانوني حي.
فالنصوص لا تستطيع أن تتنبأ بكل الوقائع.
والحياة تتغير.
والتعاملات تتطور.
والنزاعات تتجدد.
لكن الاجتهاد القضائي ليس تشريعًا مطلقًا.
فالاجتهاد القضائي يجب أن يتحرك داخل:
الدستور → القانون → النصوص المكملة → القواعد الشرعية التي أحال إليها القانون → مبادئ التفسير → القضاء المستقر.
فإذا تجاوز القاضي هذه الحدود وأنشأ حكمًا لا سند له من النص أو الإحالة القانونية أو القاعدة العامة، اقترب من ممارسة وظيفة تشريعية ليست من اختصاصه.
---
المبحث الثامن
الفرق بين الاجتهاد في فهم القانون والاجتهاد في إنشاء الحكم
هناك فرق بين:
تفسير النص
وبين:
إنشاء نص جديد.
القاضي يملك تفسير القانون.
ويملك تطبيقه.
وقد يملك سد النقص في حدود ما يسمح به القانون.
لكن لا يجوز أن يتحول غياب النص إلى سلطة مفتوحة لإنشاء قاعدة تشريعية عامة دون سند.
فإذا كان القانون قد أحال إلى الشريعة، فإن القاضي لا ينشئ الشريعة، وإنما يبحث عن الحكم الذي جعل القانون الشريعة مرجعًا له.
وهذه نقطة جوهرية في ضبط العلاقة بين القضاء والتشريع.
---
المبحث التاسع
النصوص القانونية التي تفتح مجال الرجوع إلى الشريعة
توجد في التشريع اليمني نصوص تجعل الشريعة مرجعًا عند غياب النص.
ومن الأمثلة المهمة النص الذي قرر أنه عند عدم وجود نص يعمل بأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين النافذة.
وهذا النوع من النصوص يكشف بوضوح أن المشرع لم يغلق باب الاجتهاد، وإنما أبقاه مفتوحًا عند الحاجة.
لكن المشكلة التشريعية تبدأ من السؤال:
كيف يختار القاضي من هذا التراث الهائل؟
وهنا تحتاج المنظومة إلى قواعد إرشادية أو تشريعية أو قضائية أكثر وضوحًا.
---
المبحث العاشر
ترتيب البحث القضائي عند غياب النص
أقترح اعتماد ترتيب منهجي للبحث:
المرتبة الأولى
النص الدستوري.
المرتبة الثانية
النص التشريعي.
المرتبة الثالثة
النصوص القانونية المكملة.
المرتبة الرابعة
الإحالة الصريحة إلى الشريعة إن وجدت.
المرتبة الخامسة
الأصول والقواعد الشرعية القطعية.
المرتبة السادسة
الأحكام الفقهية المستقرة أو الراجحة.
المرتبة السابعة
الاجتهاد الفقهي المقارن.
المرتبة الثامنة
المقاصد الشرعية.
المرتبة التاسعة
العرف الصحيح.
المرتبة العاشرة
مبادئ العدالة والمصلحة في حدود القانون.
وبهذا لا يصبح الرجوع إلى الشريعة رحلة عشوائية في كتب الفقه، وإنما منهجًا قضائيًا مرتبًا.
---
المبحث الحادي عشر
الشريعة أوسع من مذهب واحد
من الخطأ أن تختزل الشريعة في مذهب.
فالمذهب مدرسة اجتهادية، وليس هو الشريعة كلها.
والحنفي ليس هو الإسلام كله.
والمالكي ليس هو الإسلام كله.
والشافعي ليس هو الإسلام كله.
والحنبلي ليس هو الإسلام كله.
والزيدي ليس هو الإسلام كله.
وكذلك لا يجوز أن تتحول آراء أحد العلماء، مهما علت منزلته، إلى حجاب يمنع البحث في غيرها.
ولهذا فإن ثراء الفقه الإسلامي ينبغي أن يكون معينًا للقاضي لا قيدًا عليه.
---
المبحث الثاني عشر
المقارنة مع النظام المصري
قرر الدستور المصري أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
لكن التجربة المصرية طورت عبر القضاء الدستوري منهجًا مهمًا في التمييز بين الأحكام القطعية والأحكام الظنية.
فقد قررت المحكمة الدستورية العليا في قضائها أن الأحكام القطعية ثبوتًا ودلالة لا تكون محل اجتهاد، بينما تتسع دائرة الاجتهاد في الأحكام الظنية، وهو ما يجعل الشريعة في المجال الدستوري والقضائي مصدرًا منضبطًا لا مجرد مجال مفتوح للاختيار الشخصي.
وهذه التجربة مهمة بالنسبة إلى المشرع والقاضي اليمني؛ لأنها تقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه في ضبط المسافة بين:
النص الشرعي القطعي، والاجتهاد الفقهي، والتفسير القضائي، والتشريع الوضعي.
---
المبحث الثالث عشر
الفقه المصري وتعدد الآراء الفقهية
لم يتعامل الفقه المصري مع الشريعة باعتبارها مذهبًا واحدًا مغلقًا.
بل استفاد التشريع المصري تاريخيًا من مدارس فقهية متعددة، واختار المشرع في بعض المجالات ما رآه أكثر ملاءمة للمصلحة والتنظيم القانوني.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
المشرع يستطيع أن يختار من الفقه ما يقننه في نص ملزم، فإذا قنن الحكم أصبح القانون هو المرجع المباشر للقاضي.
أما إذا ترك المسألة للرجوع إلى الشريعة، فإن باب الاجتهاد يبقى أوسع، لكن يجب ألا يتحول إلى فوضى مذهبية.
---
المبحث الرابع عشر
من يملك اختيار المذهب؟
هذه من أخطر المسائل.
فإذا كان القانون لم يحدد مذهبًا بعينه، فلا يصح أن يقال إن القاضي ملزم تلقائيًا بمذهب معين لمجرد نشأته أو انتشار المذهب في بيئته.
وفي المقابل لا ينبغي أن يقال إن القاضي حر في اختيار أي قول كيفما شاء.
والحل الذي نراه أكثر اتزانًا هو:
الرجوع إلى الحكم الشرعي وفق منهج الترجيح القانوني والفقهي، مع مراعاة ما استقر عليه التشريع والقضاء وما لا يتعارض مع الدستور والنظام العام.
---
المبحث الخامس عشر
الخطأ الأكبر: انتقاء الحكم الفقهي لخدمة النتيجة
إذا بحث القاضي أولًا عن النتيجة ثم بحث عن القول الفقهي الذي يبررها، فقد انقلب الاجتهاد إلى تبرير.
أما القاضي العادل فينبغي أن يسلك الطريق المعاكس:
يبحث عن القاعدة، ثم يطبقها على الواقعة، ثم يقبل نتيجتها ولو لم توافق رغبته.
فالاجتهاد ليس أن يجد القاضي ما يريد.
بل أن يقبل ما يقوده إليه الدليل والمنهج.
---
المبحث السادس عشر
أثر تعدد المذاهب في توحيد القضاء
وحدة القضاء لا تعني إلغاء الفقه.
بل تعني أن الاختلاف الفقهي يجب أن يتحول إلى اجتهاد مؤسسي لا إلى اختلاف شخصي.
ولهذا فإن توحيد المبادئ القضائية يمثل ضرورة.
فإذا ظهرت مسألة متكررة، فإن تركها لاجتهاد كل قاضٍ بصورة منفردة يؤدي إلى تفاوت الأحكام.
والحل هو أن تتولى المحكمة العليا، في حدود اختصاصها، توحيد المبادئ القضائية وتحديد المنهج الذي ينبغي اتباعه.
---
المبحث السابع عشر
الشريعة والقانون والقضاء: مثلث العدالة
يمكن تصور العلاقة على النحو الآتي:
الشريعة: الأصل المرجعي الدستوري.
القانون: الصياغة التشريعية الملزمة.
القضاء: التطبيق والتفسير وتحقيق الحكم في الواقعة.
فإذا تجاوز القانون الشريعة التي جعلها الدستور مصدرًا له، ظهرت مشكلة دستورية.
وإذا تجاهل القاضي قانونًا واجب التطبيق بحجة الرجوع إلى الفقه، ظهرت مشكلة في مبدأ المشروعية.
وإذا أغلق القاضي باب الاجتهاد حيث أحال القانون إلى الشريعة، فقد ضيق مجالًا فتحه المشرع.
ومن هنا فإن العدالة لا تتحقق إلا بتوازن المثلث كله.
---
المبحث الثامن عشر
هل تعدد المذاهب عيبًا؟
لا.
بل قد يكون من أعظم ثروات الأمة الإسلامية.
فالاختلاف الفقهي أنتج ثراءً علميًا هائلًا.
وفتح أبواب المقارنة.
وقدم حلولًا متعددة للمسائل المستجدة.
لكن العيب يبدأ حين تتحول التعددية الفقهية من ثروة علمية إلى تعدد قضائي غير منضبط.
فالفقهاء يختلفون في الكتب، أما القضاء فيجب أن ينتهي إلى حكم ملزم في النزاع.
---
المبحث التاسع عشر
المقترح التشريعي
أرى ضرورة تطوير النصوص التي تحيل إلى الشريعة بحيث تضع للقاضي منهجًا واضحًا، ومن ذلك أن يقرر القانون مبدأً قريبًا من الآتي:
««إذا لم يوجد نص تشريعي واجب التطبيق، وكان القانون قد أحال إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وجب على المحكمة الرجوع إلى أصولها وقواعدها وأحكامها المعتبرة، مع مراعاة القطعي من النصوص، وما استقر عليه التشريع والقضاء، وترجيح القول الفقهي الذي يقوم على أقوى دليل ويتفق مع مقاصد الشريعة ومصلحة العدالة، دون التقيد بمذهب معين ما لم يوجب القانون ذلك.»»
وتكون أسباب الحكم في هذه الحالة واضحة في بيان:
- النص أو القاعدة التي رجع إليها القاضي.
- مصدر الحكم.
- سبب ترجيحه.
- سبب استبعاد الآراء الأخرى عند وجودها.
- مدى اتساق الحكم مع القانون والدستور.
---
المبحث العشرون
وجوب تسبيب الحكم الشرعي
إذا استخدم القاضي قاعدة فقهية في الحكم، فلا يكفي أن يقول:
«وحيث إن الشريعة الإسلامية تقضي بكذا».
بل يجب أن يبين:
ما مصدر الحكم؟
وما درجته؟
وهل هو محل اتفاق أم خلاف؟
وما سبب اختياره؟
وما علاقته بالواقعة؟
وهذا يعزز الرقابة على الحكم، ويمنع استعمال الشريعة باعتبارها عبارة عامة لا يمكن مناقشتها.
---
المبحث الحادي والعشرون
رأي المؤلف
أرى أن من الأخطاء التشريعية التي تحتاج إلى مراجعة أن يُفتح للقاضي باب الرجوع إلى الشريعة دون أن يحدد له القانون بصورة كافية منهج البحث والترجيح والتسبيب.
لكنني في الوقت ذاته أرى أن إغلاق هذا الباب سيكون خطأ أكبر.
فالحل ليس أن نقول للقاضي:
لا تبحث في الفقه.
ولا أن نقول له:
اختر ما تشاء من الفقه.
وإنما نقول:
ابحث، ولكن بمنهج.
اجتهد، ولكن في حدود الولاية القضائية.
قارن، ولكن لا تجعل المقارنة تشريعًا شخصيًا.
اختر، ولكن اذكر سبب الاختيار.
استند إلى الشريعة، ولكن لا تجعل اسم الشريعة ستارًا لرأي شخصي.
وهذه هي المسافة بين القضاء الذي يجتهد والقضاء الذي يشرّع.
---
المبحث الثاني والعشرون
النظرية المقترحة: نظرية الاجتهاد القضائي الشرعي المنضبط
أقترح أن تعتمد الموسوعة هذه النظرية باعتبارها من الإضافات العلمية الخاصة بالدراسة.
وتقوم على سبعة أصول:
الأصل الأول
لا اجتهاد قضائي مع نص تشريعي واجب التطبيق.
الأصل الثاني
إذا أحال القانون إلى الشريعة، وجب احترام الإحالة وعدم تعطيلها.
الأصل الثالث
لا يختزل القاضي الشريعة في مذهب واحد بغير سند.
الأصل الرابع
لا يجوز للقاضي انتقاء القول الفقهي لمجرد موافقته للنتيجة التي يريدها.
الأصل الخامس
كل ترجيح فقهي يجب أن يقوم على أسباب يمكن مناقشتها ومراجعتها.
الأصل السادس
لا يجوز للاجتهاد القضائي أن يتحول إلى تشريع عام خارج حدود الاختصاص.
الأصل السابع
تتولى المحكمة العليا توحيد المبادئ القضائية متى تكررت المسألة واختلفت فيها الأحكام.
---
المبحث الثالث والعشرون
البعد الأدبي في العدالة
القاضي حين يفتح كتاب الفقه لا ينبغي أن يشعر أنه غادر القانون.
بل ينبغي أن يشعر أنه دخل إلى أحد ينابيع القانون التي أحاله إليها المشرع.
لكن عليه ألا يغرق في البحر.
فالبحر الفقهي واسع، والفتاوى كثيرة، والمذاهب متعددة، والآراء متشعبة.
والقاضي ليس مطالبًا بأن يحمل البحر كله إلى قاعة المحكمة.
إنما عليه أن يستخرج منه اللؤلؤة التي تسند الحكم.
وهنا تكمن هيبة القضاء:
أن يكون القاضي واسع العلم، ضيق الهوى.
وأن يكون قادرًا على قراءة مئات الأقوال، ثم لا يأخذ منها إلا ما يستطيع أن يقيم عليه حكمًا عادلًا.
فليس العلم أن تعرف الأقوال كلها.
وإنما العلم أن تعرف أي قول يصلح أن يكون أساسًا للحكم، ولماذا.
---
المبحث الرابع والعشرون
الخاتمة
إن الشريعة الإسلامية ليست عائقًا أمام القانون، والفقه الإسلامي ليس خصمًا للقضاء، وتعدد المذاهب ليس فوضى.
إنما الفوضى تبدأ حين يغيب المنهج.
والقانون اليمني، في ظل النص الدستوري الذي يجعل الشريعة مصدر جميع التشريعات، لا يستطيع أن يتعامل مع الشريعة باعتبارها مصدرًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها جزءًا من البناء الدستوري والتشريعي للدولة.
لكن هذا لا يعني أن كل قول فقهي يصبح قانونًا بمجرد نسبته إلى الشريعة.
فالقول الفقهي يحتاج إلى فهم وترجيح، والقاضي يحتاج إلى منهج، والحكم يحتاج إلى تسبيب.
ومن هنا أرى أن الإصلاح الحقيقي ليس في إغلاق باب الاجتهاد أمام القاضي، وإنما في تنظيم هذا الباب.
فالقاضي الذي لا يملك حق البحث قد يتحول إلى أسير للنص الجامد.
والقاضي الذي يملك حق البحث بلا ضابط قد يتحول إلى مشرع.
أما القاضي الذي يجمع بين النص والعلم والمنهج، فهو الذي يستطيع أن يجعل من القانون طريقًا إلى العدالة.
ولذلك أضع هذه القاعدة في صميم هذه الدراسة:
«افتحوا للقاضي باب الشريعة، ولكن ضعوا له منهج الدخول؛ فالباب المفتوح بلا طريق قد يقود إلى التيه، والطريق المغلق أمام العلم قد يقود إلى الجمود، أما العدالة فطريقها بين النص والاجتهاد والمنهج.»
---
تصنيف الدراسة داخل الموسوعة
الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة
القسم:
الدراسات القضائية والفقهية التأصيلية.
المحور:
أصول التفسير والتأصيل الشرعي في القضاء.
الباب:
مصادر الحكم القضائي.
الفصل:
الرجوع إلى الشريعة الإسلامية عند غياب النص أو الإحالة إليها.
الدراسة:
«أخطاء المشرع في تنظيم مجال البحث في الشريعة الإسلامية والقانون أمام القاضي ـ دراسة قانونية وتأصيلية مقارنة بالفقه الإسلامي والتشريع والقضاء المصري».
طبيعة الدراسة:
دراسة تشريعية نقدية وتأصيلية ومقارنة.
الامتداد الموضوعي:
ترتبط هذه الدراسة مباشرة بدراسات:
- نظرية القضاء.
- مصادر الحكم القضائي.
- تفسير النصوص القانونية.
- الاجتهاد القضائي.
- مبدأ المشروعية.
- الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع.
- الفقه المقارن.
- تسبيب الأحكام.
- توحيد المبادئ القضائية.
- المحكمة العليا.
- الإصلاح التشريعي.
موقعها في التسلسل العام للموسوعة:
مصادر القانون → الشريعة الإسلامية → تفسير القانون → الاجتهاد القضائي → مصادر الحكم عند غياب النص → الفقه المقارن → تسبيب الحكم → توحيد المبادئ القضائية → الرقابة على الأحكام.
وبذلك لا تبقى الدراسة مقالًا صحفيًا، وإنما تصبح دراسة أصلية ضمن البنية العلمية للموسوعة، وتؤسس لنظرية «الاجتهاد القضائي الشرعي المنضبط» باعتبارها إحدى الإضافات الفكرية والقانونية الخاصة بالموسوعة.