اليمن يقول للمبعوث الأممي: كفى عبثاً.. وكفى انحيازاً!
إلى المبعوث الأممي إلى اليمن..
من قلب اليمن، ومن بين أنقاض وطن أنهكته الحرب، ومن أفواه شعب ذاق مرارة النزوح والفقر والجوع وانهيار مؤسسات الدولة، تأتيك اليوم رسالة لا تحتاج إلى ترجمة ولا إلى جلسات إحاطة ولا إلى مكاتب الأمم المتحدة:
أخرج منها فإنك رجيم!
لقد سئم اليمنيون لغة البيانات الدبلوماسية الباردة، وسئموا مبعوثين يتعاقبون على الملف اليمني بينما تتعاقب على الشعب اليمني سنوات المعاناة.
جئتم إلى اليمن تحت عنوان السلام، لكن السلام الذي ينتظره اليمنيون لا يشبه ما يجري على الأرض.
فأي سلام هذا الذي يُبقي الانقلاب قائماً؟
وأي تسوية هذه التي تمنح المليشيا المسلحة مساحة سياسية متزايدة؟
وأي عملية سلام تلك التي تتعامل مع الدولة ومؤسساتها والميليشيا التي انقلبت عليها وكأنهما طرفان متساويان في المسؤولية؟
يا مبعوث الأمم المتحدة.. لا تحاولوا تغيير حقيقة الأزمة!
الحقيقة واضحة أمام اليمنيين والعالم: هناك دولة ومؤسسات، وهناك مليشيا انقلبت على الدولة واستولت على مؤسساتها بقوة السلاح.
ولا يمكن صناعة السلام عبر مكافأة الانقلاب أو منح الانقلابيين شرعية سياسية على حساب الدولة.
إن الشعب اليمني لا يريد سلاماً يجمّل الانقلاب، ولا اتفاقاً يكرّس الانقسام، ولا تسوية تُبقي السلاح فوق الدولة.
الشعب يريد دولة.
دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وقانوناً واحداً، وسلطة لا تُفرض بقوة السلاح.
لقد أصبح كثير من اليمنيين ينظرون إلى تحركات المبعوث الأممي بعين الريبة، ويتساءلون: هل تعمل الأمم المتحدة فعلاً من أجل إنهاء الأزمة، أم أن مهمتها تحولت إلى إدارة الأزمة وإبقائها مفتوحة؟
وإذا استمر هذا النهج، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:
لصالح من تعملون؟
لأن ما يراه اليمنيون على الأرض لا يطمئنهم إلى أن الأولوية أصبحت لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، بل يوحي بأن هناك محاولة لإعادة تدوير الأزمة وإنتاج تسويات لا تعالج جذورها.
أيها المبعوث الأممي.. اليمن ليس مختبراً لتجاربكم السياسية!
اليمن ليس ورقة تفاوض.
واليمنيون ليسوا وقوداً لمفاوضات لا تنتهي.
والدولة اليمنية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في سبيل إرضاء هذه الجماعة أو تلك.
إذا كنتم تريدون السلام فعلاً، فابدؤوا من الحقيقة، لا من الالتفاف عليها.
ابدؤوا من إنهاء الانقلاب.
ابدؤوا من احترام سيادة اليمن.
ابدؤوا من دعم مؤسسات الدولة.
ابدؤوا من رفع المعاناة عن المواطن.
وابدؤوا من قاعدة بسيطة وواضحة:
لا سلام دائماً ومستداماً مع بقاء السلاح خارج الدولة.
أما استمرار الضغط على الشرعية، وتقديم التنازلات للانقلابيين، والتعامل معهم باعتبارهم أمراً واقعاً لا يمكن تغييره، فلن ينتج سلاماً، وإنما سيؤسس لصراع جديد أكثر تعقيداً.
يا مبعوث الأمم المتحدة.. اسمع صوت اليمنيين قبل أن تسمع تقارير مكاتبك.
اسمع المواطن الذي يبحث عن راتبه.
اسمع النازح الذي فقد منزله.
اسمع الموظف الذي ينتظر راتبه.
اسمع الجندي الذي يدافع عن وطنه.
اسمع الأسرة التي تعيش تحت وطأة الفقر.
اسمع اليمن الذي يريد أن يعيش كبقية شعوب العالم.
هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقيون في السلام، وليس أمراء الحرب ولا تجار الأزمات.
إن اليمنيين لا يطلبون المستحيل.
إنهم يريدون وطناً آمناً، ودولة محترمة، ومؤسسات تعمل، واقتصاداً يتعافى، وسلاحاً تحت سلطة الدولة، ومستقبلاً لأبنائهم.
فإن كانت مهمتكم تحقيق ذلك، فليكن موقفكم واضحاً وشجاعاً.
وإن كانت مهمتكم مجرد إدارة الصراع وإطالة المفاوضات وإعادة تدوير الأزمة، فليسمح لنا الشعب اليمني أن نقولها بكل صراحة:
كفى!
كفى وصاية.
كفى مساومات.
كفى تجميلاً للانقلاب.
كفى عبثاً بمستقبل اليمن.
وكفى التعامل مع الشعب اليمني وكأنه مجرد رقم في ملف دولي.
لقد آن الأوان لأن يسمع العالم صوت اليمنيين الحقيقي:
نريد السلام.. ولكن سلاماً لا يقتل الدولة.
نريد التسوية.. ولكن تسوية لا تكافئ الانقلاب.
نريد الحوار.. ولكن حواراً لا يكون السلاح طرفاً فيه.
نريد الأمم المتحدة وسيطاً نزيهاً.. لا طرفاً يُنظر إليه بأنه منحاز إلى طرف على حساب الشعب والدولة.
وفي الختام نقول للمبعوث الأممي بكل وضوح:
إن لم تستطع أن تكون جزءاً من الحل، فلا تكن جزءاً من المشكلة.
وإن عجزت عن الانحياز إلى السلام الحقيقي، فاترك اليمن لليمنيين.
فاليمن أكبر من منصب مبعوث، وأكبر من طاولة مفاوضات، وأكبر من حسابات الأمم المتحدة.
اليمن وطن.. واليمن دولة.. واليمنيون أصحاب القرار في مستقبل وطنهم.
وسيظل صوت الشعب أعلى من كل البيانات، وأقوى من كل المفاوضات:
أخرج منها فإنك رجيم.. وكفى عبثاً باليمن!