آخر تحديث :الثلاثاء-08 سبتمبر 2026-02:53ص

حين تعود اليمن تعود إلينا الحياة

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 12:49 ص
الخضر محمد علي الوليدي


هناك أشياء في الحياة لا يعرف الإنسان قيمتها إلا حين تُنتزع منه، ولا يدرك حجم نعمتها إلا عندما يصبح الحصول عليها حلمًا بعيدًا.

أن تستيقظ في الصباح وأنت مطمئن على أهلك... نعمة.

أن تسمع صوت أمك في الهاتف دون أن يمر الخوف في قلبك بأن يكون هذا الصوت آخر ما تسمعه منها... نعمة.

أن يجتمع الإخوة حول مائدة واحدة بعد سنوات من الفراق... نعمة.

أن يسافر الأب إلى ابنه، ويعود الابن إلى والديه، دون خوف من الطريق، أو نقاط تفتيش، أو قلق من سؤال: هل سيصل؟... تلك ليست تفاصيل عابرة، بل هي معنى الوطن نفسه.

هذه هي اليمن التي نحلم بها.

اليمن التي لم يكن اليمني البسيط يحلم فيها بسلطة ولا بمنصب ولا بغنيمة.

كان يحلم بوطن.

وحين التحمت صفوف الجيش الوطني بمختلف تشكيلاته، وانطلقت معركة استعادة الدولة وتحرير اليمن، كان الأمل في قلب المواطن أكبر من كل الحسابات السياسية والعسكرية؛ كان ينتظر اليوم الذي ينكسر فيه مشروع الانقلاب، وتعود صنعاء إلى حضن اليمن، وتعود مؤسسات الدولة إلى أهلها، وتُفتح الطرق التي أغلقتها الحرب، وتُغلق إلى الأبد أبواب الخوف.

لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا.

دماء سالت في كل الاتجاهات، وشهداء رحلوا قبل أن يروا الوطن الذي حلموا به، وجرحى حملوا آثار الحرب في أجسادهم، وأسر فقدت أبناءها، وأطفال كبروا دون آباء، وآباء وأمهات أمضوا سنوات طويلة وهم يحدقون في الطرقات، ينتظرون عودة من غابوا خلف الجبهات والمنافي والمخاوف.

لكن خلف كل هذه التضحيات حلم أكبر من الحرب نفسها:

أن تنتهي الحرب.

أن يأتي اليوم الذي لا نحتاج فيه إلى كلمة «تحرير»؛ لأن اليمن تكون قد تحررت فعلًا من الخوف والانقسام والفوضى والكراهية.

تخيلوا معي ذلك اليوم...

ندخل صنعاء، لا بحثًا عن ثأر، ولا رغبة في الانتقام، ولا لكي نفتح دفترًا جديدًا من الحسابات.

ندخلها بحثًا عن اليمن.

يلتقي الأخ بأخيه بعد سنوات من الفراق.

ويحتضن الابن أباه وأمه.

ويلتقي الأصدقاء الذين فرقتهم الحرب.

وتفتح البيوت أبوابها من جديد، وتعود إليها الضحكات التي هجرتها سنوات الخوف.

نريد أن تعود الحياة إلى الشوارع.

نريد أن نمضي في طرق اليمن التي اشتقنا إليها، لا كجنود يحملون السلاح، بل كمسافرين يحملون الذكريات.

نريد أن نشعر ببرد صنعاء من جديد.

نريد أن نرى تعز الحالمة وهي تستقبل المطر.

نريد أن تمر بنا السيارة من نقيل سمارة، وتنزل علينا رشات المطر، فنفتح النوافذ ونشم رائحة الأرض.

نريد أن نشتري البلس والتين من الطريق باتجاه ذمار.

نريد أكياس الزعتر من النجد الأحمر.

نريد جلسة قات يمنية بسيطة، ووجوهًا تضحك دون خوف، وأحاديث تمتد حتى المساء.

نريد أن نستعيد تلك التفاصيل الصغيرة التي كنا نعيشها ذات يوم دون أن ندرك أنها كانت نعمة عظيمة.

نريد أن نلتقط صورة فوق حصان التحرير في صنعاء...

صورة لا تحمل بندقية.

ولا شعارًا.

ولا ثأرًا.

بل تحمل وجه اليمني وهو يبتسم لوطنه.

نريد أن يعود اليمني إلى اليمني.

أن يعود الغريب إلى بيته.

أن يعود الأب إلى أسرته.

أن يعود الابن إلى أمه.

وأن يعود الوطن إلى أهله.

يا من تحملون السلاح اليوم...

تذكروا أن خلف كل معركة أمًا تنتظر.

وخلف كل جندي طفلًا يحلم بعودة أبيه.

وخلف كل بيت شهيد أو جريح أو مفقود أو مغترب.

وتذكروا أن أعظم انتصار لا يكون فقط بالوصول إلى صنعاء، ولا برفع راية فوق مبنى، ولا بالسيطرة على مدينة.

أعظم انتصار هو أن نصل باليمن إلى السلام.

أن نصل إلى وطن لا يخاف فيه الإنسان من أخيه.

وطن لا تكون فيه الطرقات حدودًا بين أبناء الشعب الواحد.

وطن لا يصبح فيه الاختلاف سببًا للقتل.

وطن تكون فيه الدولة أقوى من السلاح، والقانون أعلى من القوة، والإنسان أغلى من كل الشعارات.

لا نريد أن يرث أبناؤنا بندقية آبائهم.

نريدهم أن يرثوا وطنًا.

لا نريد أن يتعلم أطفالنا أسماء الجبهات.

نريدهم أن يتعلموا أسماء المدن الجميلة في وطنهم.

نريدهم أن يسافروا من صنعاء إلى عدن، ومن تعز إلى إب، ومن مأرب إلى حضرموت، ومن المهرة إلى الحديدة، دون أن يسألوا: من يسيطر على الطريق؟ ومن يقف خلف النقطة؟

نريدهم أن يسألوا فقط:

أين سنقضي عطلتنا؟

نريد صنعاء أن تعانق عدن، وأن تعانق المهرة وحضرموت ومأرب وتعز وإب والحديدة وشبوة وأبين والجوف وصعدة وكل شبر من تراب اليمن.

نريدها أن تعود أمًا حنونة تحتضن أبناءها جميعًا، بعد غياب طويل وغربة طويلة.

نريد يمنًا واحدًا...

آمنًا، مستقرًا، كريمًا، يتسع للجميع.

فاليمن أكبر من الحرب.

وأكبر من الأحزاب.

وأكبر من الجبهات.

وأكبر من خلافات السياسيين.

اليمن هو الإنسان اليمني؛ هو الأم التي تنتظر ابنها، والأب الذي يحلم بعودة أسرته، والطفل الذي يريد أن يكبر في بيت آمن، والمزارع الذي يريد أن يزرع أرضه، والمعلم الذي يريد أن يدخل مدرسته، والطبيب الذي يريد أن يعالج مرضاه، والشاب الذي يريد أن يبني مستقبله في وطنه بدلًا من أن يبحث عن وطن آخر.

ولهذا سنبقى نحلم.

سنحلم باليوم الذي تنتهي فيه أصوات الرصاص، ويعلو بدلًا عنها صوت الحياة.

صوت الأذان في المساجد.

صوت الأطفال في المدارس.

صوت الباعة في الأسواق.

صوت المطر على أسطح البيوت.

صوت السيارات وهي تعبر الطرق بين المدن دون خوف.

وصوت الأم وهي تقول لابنها:

اذهب يا ولدي... وعد إلينا سالمًا.

سنحلم باليوم الذي لا يسأل فيه الأب:

أين ابني؟

ولا تسأل فيه الأم:

متى يعود؟

ولا يخاف فيه المسافر من الطريق.

ولا يخاف فيه الطفل من الغد.

وسيأتي ذلك اليوم بإذن الله.

سيأتي اليوم الذي نلتقي فيه جميعًا، ونفتح نوافذ بيوتنا، ونتنفس هواء اليمن دون خوف.

سنلتقي بمن بقي، ونترحم على من رحل، ونحتضن من عاد، ونبني معًا ما هدمته سنوات الحرب.

وحينها سننظر إلى كل هذه السنوات خلفنا، ونقول:

كم كنا نتمنى هذه اللحظة... وها هي قد جاءت.

وحينها فقط سنعرف أن الحرب لم تكن نهاية اليمن.

بل كانت فصلًا قاسيًا من تاريخ وطنٍ لا يزال حيًا.

وأن اليمن، رغم الجراح، لم يمت.

رغم الخراب، لم ينكسر.

رغم الفراق، لم يفقد أبناءه.

ففي قلب كل يمني ما زالت هناك مساحة صغيرة لم تصل إليها الحرب...

مساحة اسمها اليمن.

هناك، في تلك المساحة، ما زالت صنعاء تبتسم.

وعدن تنتظر.

وتعز تحلم.

وحضرموت تحفظ ذاكرتها.

والمهرة تفتح أبوابها.

ومأرب تحرس تاريخها.

وأبين وشبوة والحديدة وإب والجوف وصعدة وسائر المحافظات تنتظر يومًا يجتمع فيه اليمنيون على كلمة واحدة:

هذا وطننا... فلنختلف فيه دون أن نقتل بعضنا، ولنختلف دون أن نهدمه، ولنختلف ونحن نعرف أن البيت في النهاية بيتنا جميعًا.

يا يمن...

لقد سرقت الحرب منّا سنوات.

سرقت منا الوجوه.

والطرقات.

والجلسات.

والأعياد.

والسفر.

والطمأنينة.

لكنها لن تستطيع أن تسرق منا الحلم.

سنعود يا يمن.

سنعود إلى طرقاتك.

إلى جبالك.

إلى مدنك.

إلى أسواقك.

إلى مطرك.

إلى مقاهيك.

إلى بيوتنا القديمة.

إلى ذكرياتنا التي لم تمت.

سنعود لا لننتقم من الماضي، بل لنصنع المستقبل.

سنعود لا لنفتح جراحًا جديدة، بل لنضمد الجراح القديمة.

سنعود لا لنبحث عن منتصر ومهزوم، بل لنبحث عن وطن ينتصر فيه الجميع.

سنعود يا يمن...

وسنلتقي.

وستعود الحياة.

وسيعود الأمان.

وستعود الضحكات إلى البيوت.

وسيعود المسافر مطمئنًا.

وسيعود الأب إلى أسرته.

وسيعود الابن إلى أمه.

وستعود صنعاء تعانق عدن، وتعانق كل مدن اليمن.

وحينها، سنعرف أن الوطن الذي حلمنا به طوال سنوات الألم...

كان يستحق كل هذا الانتظار.

اللهم احفظ اليمن وأهلها، وارحم شهداءها، واشفِ جرحاها، واجبر قلوب أهلها، واجمع شمل أبنائها، وألّف بين قلوبهم، واكتب لهذا الوطن الأمن والسلام والاستقرار، واجعل القادم من أيامه أجمل من ماضيه.

سنعود يا يمن...

وسنلتقي...

وستعود الحياة.